أحمد بن يحيى العمري

299

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار

كنت كثير التردد والزيارة له ، وكان على قدم صدق وهدى ، وكتاب منير . ولو حلفت أنه لم تقع عيني على مثله لكنت بارّا . ولم يحك عنه أنه قال ، ولا ادّعى ، ولا رزأ أحدا من ماله شيئا . ولما أقحط الناس سنة ثمان عشرة وسبعمائة ، واستعدوا للاستسقاء ، أتيته وقلت : يا سيدي ! الناس في مشقة ، فقال : لو سكتوا كفوا . فأعدت عليه القول ، وقلت : لو دعوت لهم . فقال لي : اسمع ! - وفقنا الله وإياك - : يحكى أن الناس أقحطوا في سنة من السنوات ؛ فأمسكت السماء ، وجفّ الماء ، فهمّوا بالاستسقاء ، واستعدوا له ، فلما أرادوا الخروج إلى الصحراء أتوا رجلا صالحا كان في جانب عنهم ، توسّموا خيره ، فسألوه في الخروج معهم ، فخرج معهم ، حتى مرّ ببستان في طريقه ، فطرق الباب ، فخرج إليه القيّم به ، فقال له : ما تريد ؟ . فقال له : اسق بستانك . فقال له : هذا ما يلزمك ، أنا أسقي بستاني متى شئت . فالتفت ذلك الصالح إلى الناس ، وقال : ألا تسمعون ما يقول ؟ . قالوا : قد سمعنا . فقال : إذا كان هذا كره أن أعترض عليه ، أتعترضون أنتم على الله ؟ . ثم تركهم ورجع . ولم يخرج الشيخ حماد مع الناس إلى الاستسقاء . قلت : وكنا نسمعه كثيرا ما يقول : " كان فقير ، قال فقير ، جرى لفقير " ويذكر أمورا عظيمة ، وكرامات ظاهرة ، أنه إنما يحكيها عن نفسه ، وإنما يريد الكتمان . ومما حدثنا به - وأظنه إنما حكاه عن نفسه - قال : كان بحلب فقير صادق الطلب ، نودي في سرّه : حاجتك في مصر ! . فخرج يريد مصر ، وجعل عليه أن لا يسأل أحدا شيئا ، وكان شديد الفاقة ، وكان لا يأكل إلا من مباحات الأرض ، فلما عدى غزة بفراسخ ، دخل الرمل ، فقال : أيتها النفس ! ليس هنا ما تقتاتين به ، فصبرا على الجوع ، أو فالرجوع ، ثم قوّى عزيمته ، ودخل الرمل حتى أتى " قطية " « 1 » ولم يطعم طعاما تلك الأيام ، فلما دخل " قطية " رأى ما في أسواقها ، فغض بصره حتى خرج منها ، وأتى حائطا في منقطع الحدائق بها ،

--> ( 1 ) قطية : بالفتح ثم سكون ، وياء مفتوحة : قال ياقوت : أظنه من تقطّيت على القوم إذا تطلبتهم حتى تأخذ منهم شيئا ؛ وقطية : قرية في طريق مصر في وسط الرمل ، قرب الفرما ، بيوتهم صرائف من جريد النخل ، وشربهم من ركية عندهم جائفة ملحة ، ولهم سويق فيه خبز إذا أكل وجد الرمل في مضغه ، وعندهم سمك كثير لقربهم من البحر . " معجم البلدان 4 / 378 " .