أحمد بن يحيى العمري
298
مسالك الأبصار في ممالك الأمصار
ومنهم : 78 - حمّاد الحلبيّ « 13 » ذو القدر الوافي ، والمشعل بالثريا وبشر الحافي ، السري مع أنه معروف ، والنوري حينه إذا سئل منه معروف . قدم دمشق ، ونزل بظاهرها على رجل متسبب من أهل الصلاح متكسب من الجبل ، كان لا يأكل إلا من طعامه ، ولا يكتسي إلا من لباسه ، ولا يبيت إلا عنده في بستان له بمرج الدحداح ، وكان الشيخ يقرئ القرآن الكريم بجامع التوبة بالعقيبة « 1 » ، تبرعا واحتسابا ، يجلس لإقراء الناس بياض كل يوم في أخريات الرواق الشمالي به . وكان رجلا ربعة أبيض بحمرة ، أبيض الرأس واللحية ، أقنى الأنف ، ضعيف العينين ، منوّر الوجه والشيبة ، عليه سيما الولاية ، واتّهمه أهل العرفان ، فكان لا يزال متوجها إلى القبلة على طهارة كاملة ، منتصبا للقراءة ، والإقراء ، فارغا من الناس ، لا يقبل لأحد منهم شيئا . وكان شيخنا ابن الفركاح يخرج إلى زيارته في كل أسبوع مرة ، أو مرتين ، وكذلك شيخنا ابن الزملكاني ، رحمهم الله تعالى . وزاره شيخنا شيخ الإسلام ابن تيمية ، وكان يذكره بالخير ويثني عليه . حكى لي الشيخ شرف الدين ابن النجيح ، قال : ذكر بين يدي الشيخ - يعني ابن تيمية - أناس من صلحاء الوقت ، فأمسك بأذن القائل ، وقال له : اجعل بالك ، وافتح عينيك : " الصالح حماد ، الصالح حماد " ، وبقي يكررها .
--> ( 13 ) ينظر ترجمته في : الكواكب الدري في طبقات الصوفية 4 / 270 - 271 ، والدرر الكامنة 2 / 74 ، والبداية والنهاية 14 / 125 . ( 1 ) جامع التوبة : في محلة العقيبة في دمشق ، أنشأه الملك الأشرف أبو الفتح موسى بن الملك العادل سنة 632 هجرية ، وكان يعرف قديما بخان الزنجاري ، وكان به كل مكروه من القيان وغيره . " الدارس في تاريخ المدارس للنعيمي 2 / 426 " .