أحمد بن يحيى العمري

293

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار

وأفعال حسنى ، إلى رياضة أخلاق ، ودماثة جانب . قالوا : إنه لم يشتر شيئا حتى يزن ثمنه أولا ، ويجعله في يده ، ثم ما يتسلم المبيع حتى يصير الثمن في يد البائع . هذا إلى عيادة مرضى ، وتشييع جنائز ، والقيام بحقوق إخوانه وأصحابه وجيرانه ، والإفضال عليهم بتفقده ، واشتهر أمره في زمانه ، وأجمع عليه أهل وقته . وكان ابن تيمية ، وابن الفركاح ، وابن الوكيل ، وابن الزملكاني ، وغيرهم من علماء الوقت مجمعين على فضله وصلاحه ، وكان الناس تحمل أولادهم وتأتي إليه ليمسح بيده على رؤوسهم ، ويدعو لهم ، ويعودهم ، فيفعل ذلك ، ثم ما ينصرف واحد منهم حتى يعطيه خشكنانكة ، أو خشكنانكتين ، أو أكثر من ذلك ، ويعطي الناس على مقدارهم ، وينزل الناس منازلهم ، ويجزل لذوي الحاجة ، حتى أن الفقراء منهم كان يعطيهم مع الخشكنانك ما تيسر من الفضة أو الفلوس ، ولا يعرف هذا المدد من أين ، ومعاشه لا يحمل بعضه . وكان على قدم عظيمة ، وسلوك على عزة . وحدثني الحافظ العلائي قال : لما اشتد الخوف بأهل دمشق نوبة شقجب ، فغدا الشيخان محمد الأرموي ، ومحمد بن قوام في الجامع الأموي ، واجتمع إليهما الناس ، وشرعوا في التوجه إلى الله تعالى ، وقرؤوا الحديث الشريف ، فلما أكملوا القراءة والدعاء أذنت المغرب ، وكان ذلك في رمضان ، قام الشيخ نجم الدين الخشكنانكي ، ومعه علبتان من الكعك المحشو ، تقدير ما يكون في مثليهما عشرون كعكة ، فأعطى كل واحد من الشيخين كعكين كعكين ، ثم فرّق على بقية الناس كذلك ، وكان الجامع مملوءا من الناس ، لو فرّق عليهم ثلاثمائة علبة لم يكفهم ! ، ولم يفطن أحد لذلك في ذلك الوقت ، ولا فيما بعده حتى مات ، فلما وضع سريره للصلاة عليه ، لم يبق إلا من ذكر تلك الكرامة ، وعدّها من كراماته . وحدّثني صاحبنا الشريف محمد بن أحمد بن علي بن ظاهر الحسيني ، قال : كانت لنا دار بالخضراء ، وظهور بعضها لغيرنا ، وكنا في غاية الضرر بملك الغير لها ، فباعها مالكها من