أحمد بن يحيى العمري
279
مسالك الأبصار في ممالك الأمصار
وأنا خائف منه - على صحبتي له - ، فلما دخلت عليه رأيته مبتهجا لي ، فطلع إلي وقد كاد يسطو علي لأجل ابن تيمية ، وقال لي : يا صدر ! أنت تريد تعاند القدرة في ابن تيمية ؟ وكلما رفعه الله تريد أنت أن تضعه بيدك ، والله ما تريد إلا من يخرجك من الشام ، ويحبسك في الإسكندرية ، ليكف شرك . قال : فخرجت وأنا في غاية الخوف والوحشة ، وتوجّهت على الفور إلى الشيخ عثمان ، فما لحقت أكمل السلام عليه حتى قال لي : بئس الصاحب صاحبك ، يعني الأفرم ، والله يا صدر الدين ! ما هو يا صدر كما قال لك ، ما يريد يعاند القدرة إلا هو ، والله ما يخرج من الشام ويحبس في الإسكندرية إلا ابن تيمية . قال : فسرّي عني ما كنت فيه ، وبت عنده تلك الليلة ، ثم عدت ، فلم أصل إلى بيتي إلا ورسول الأفرم قد أتاني ، فجئته ، فقال : يا صدر الدين ! أنت رجل صالح ، عمل نفسك في ابن تيمية ، وقد جاء مرسوم السلطان بطلبه ، وعزمي أن أدفع عنه ، وأشتهي أن لا تحرّكوا أنتم ساكنا ليدفع عنه الشر ، لعلّ تصطلحوا ، فيزول ما بينكم ، ثم لم يمض - والله - الأيام حتى لم يكن بدّ من تجهيزه ، وحبس بمصر والإسكندرية ، وجاء الأمر كما قال الشيخ . وتوفي سنة ثمان وسبعمائة رحمه الله تعالى ، ورضي عنه . ومنهم : 74 - محمّد بن إبراهيم الأرمويّ « 13 » مشيّد بيت وأبيات ، وصاحب أناشيد وتلاوة آيات ، سكن الشام فاخضرّ واديه ، وابيضّ بكرم أياديه ، وتفجّرت أنهاره مثل قريحته ، وطالت غرة جبهته مثل لألاء صبيحته ، وسكن بزاوية ابنه بسفح قاسيون ، فسقى السفح ، وعامل ساكنه بالرحمة والصفح ، فظهرت به من سرّ أبيه - رحمه الله - خفايا ، وطلعت من الزوايا خبايا .
--> ( 13 ) ينظر ترجمته في : معجم الشيوخ للذهبي 2 / 132 ، والبداية والنهاية 14 / 64 ، والدرر الكامنة 3 / 287 ، وطبقات الصوفية للمناوي 3 / 66 - 67 والأرموي : نسبة إلى أرمية وهي من بلاد أذربيجان " الأنساب " .