أحمد بن يحيى العمري
280
مسالك الأبصار في ممالك الأمصار
وكان رجلا أوّابا ، وعجلا إلى الله توّابا ، ومحسنا ما عرفت له أساءه ، ولا ألفت منه إلا عباده ، أشهد عليها صباحه ومساه ، وله عقب نعم ما أعقبه سلف ، وأبقاه ماض من خلف منه أي ابن منجب ، وولد متواضع للفقراء معجب . ومن كلامه : فصل يتعلق بالسماع قال : افتقار السماع إلى الوجد ، افتقار الصلاة إلى النية والقصد ، فكما لا تصح الصلاة إلا بالنية والقصد ، كذلك لا يباح السماع إلا بالوجد ، فمن كانت حركته في السماع طبيعية ، كانت نشوته به حيوانية ، ألا ترى أن كثيرا من الحيوان ينشأ له حال غير المعتاد عند سماع المطربات ، وقوة حركة لسماع طيّب النغمات ، فمن كان هذا السماع الحيواني في ذلك أقصى أربه ، وكان مقصورا فيه على هواه ولعبه ، وهو سماع الطبيعة لا سماع الأرواح ، فجدير أن يجتنب فإنه يستعمل الطبيعة [ ويجرّ إلى الوقوع ] في غير المباح . والسماع الذي اختلفت فيه الأقوال إنما هو سماع أهل المقامات والأحوال ، فمنهم من أباحه على حكم الاختصاص ، ومنهم من جعله زلة الخواص ، ومنهم من توقف ولم يجد إلى إقامة الدليل على كلا الأمرين نشاطا ، ورأى الاستغفار منه إذا قدر له الحضور فيه احتياطا ، فهو متردد في أمريه ، فتركه لمثل ذلك أولى ، ولم يرزا على من حضره من السلف ، لكن لم ير نفسه بحضوره أهلا . فهذه جملة اقتناعية مما قيل فيه ، ونبذة لعلّ من تأملها تكفيه . « 1 » إذا حرك الوجد السماع إليكم * يباح وإلا فالسماع حرام ومن هزّه طيب استماع حديثكم * ومال من الأشواق ليس يلام ولا عجب إن شتت الحبّ جمعه * فليس لأحوال المحب نظام يسير مع الأشواق أين توجهت * وليس له في الكائنات مقام ولا غرو إن ضلّت مذاهب عقله * فإن مقام العز ليس يرام حمى لا سبيل أن يباح مصونه * وكل الورى طافوا عليه وحاموا
--> ( 1 ) طبقات الصوفية للمناوي 3 / 66 - 67 .