أحمد بن يحيى العمري
278
مسالك الأبصار في ممالك الأمصار
عبد الكريم بن الزكي خصوصية بالشيخ عثمان ، وكان يتردد إلى قرية برزة حين أقام بها ، وكان لا يزال يشكو إليه ما يجده من سوء أخلاق امرأته ، وتكبّرها عليه بما لها من الأوقاف والغنى . وكان الشيخ ينهاها في كل وقت ، ويخوفها عاقبة فعلها ، إلى مرة زادت في سوء معاملته ، فلما شكاها إلى الشيخ عثمان ، قال لها : النوبة الفيصلة بيننا وبينك . ثم قال لابن الزكي : إن عاد بدا منها النوبة شيء قل : يا عثمان ، يا نحس ! . قال ابن أبي الطيب : فلما أتى يوم موسم ، أو حفل كانت بالميطور وقد اجتمع عندها جماعة من النساء ، فلما أراد أن ينزل إلى المدينة ، قالت له : ابعث لنا كذا وكذا ، من الحلوى ، وغيرها ، فبعث بشيء ، فاغتاظت ، فلما طلع لامته ، ثم احتدّت إلى أن عادت إلى عادتها وأشدّ ، فصاح ابن الزكي : يا عثمان ! يا نحس ! ، يا عثمان ، يا نحس ! . ثم لم يستكمل المجلس حتى أخذتها الحمّى الحادّة ، المحرقة ، وقالت له : قتلتني والله ! . ثم قالت : والله النوبة هي الفيصلة ، ففطن ابن الزكي وقام لوقته حتى أتى الشيخ عثمان ، ليسأله في أمرها ، فمنذ رآه مقبلا من بعيد قال له : أحسن الله عزاك ! ارجع جهّزها ، فقد قضي الأمر ، فرجع وكان الأمر كما قال . وحكى لي غير واحد من أهل برزة « 1 » : أن الملك الأوحد كان قد تعجّل نوبة كسروان منهم خراج سنة ، ثم لما طال المقام بالجبل بعث يستلف سنة أخرى ، فأضرّ ذلك بنا ، ولم يبق إلا من أخذ دوابّه ، أو قماش نسائه ، أو غزلهنّ ليبيعه ، فلما رأى الشيخ عثمان ما حصل لنا بذلك من الضرر والإزعاج ، اغتاظ حتى كاد يتميز من الغيظ ، ثم قال : لا تبيعوا شيئا ، فإنه قد قضي الشغل ، فلم يلبث أن جاءنا الخبر بأن الملك الأوحد قد توفي في ذلك اليوم . وأخباره ومناقبه كثيرة . حكى لي القاضي عبد الله البستاني الفقيه ، قال : كان الشيخ صدر الدين ابن الوكيل حسن العقيدة في الفقراء ، وسمعته يحكي قال : طلبني الأفرم مرة ، طلبا مزعجا ، فجئته ،
--> ( 1 ) برزة : قرية كبيرة من قرى الغوطة إلى الشمال الشرقي من دمشق . انظر : " معجم البلدان 1 / 382 - 383 " .