أحمد بن يحيى العمري
277
مسالك الأبصار في ممالك الأمصار
ومنهم : 73 - عثمان المنينيّ المعروف بالقريريّ رجل يعدّ برجال ، وبطل لا يزاحم في مجال ، وعجّل وكم قبضت به آجال ، كان بدرا تماما ، وبين نونيه أسدا ضرغاما ، لا تتوقى له سهام ، ولا يرد بالجيش اللهام . حدّثني عنه والدي ، والصدر جمال الدين يوسف بن رزق الله العمري - رحمهما الله تعالى - قالا : لما اشتدّ بأهل بعلبك الأمر نوبة غازان ونحن إذ ذاك بها ، كان فيها الشيخ عثمان ، وكنا نتعهد زيارته ، وأبواب المدينة مفتحة ، فلما نازلها غلقت الأبواب واشتدّ الخوف ، ثم أتينا الشيخ عثمان للزيارة ، فوجدنا قطب الدين ابن اليونيني خارجا من عنده ، فقال : دخلت على الشيخ فلم يكلّمني ، ووجدته منكرا ، فلم أجلس ، والرأي أن ترجعوا ، فإن هذا رجل له بادرة . فقلنا : لا بدّ أن ندخل ، فدخلنا عليه . قال والدي : فالتفت إليّ وقال : يا محيي الدين ! لأي شيء غلقتم أبواب المدينة ؟ . فقلت له : يا سيدي ! خوفا من [ بولاي ] « 1 » فإنه قد جاء ونزل عليها ، وربما أنه يريد أن يحاصر . قال : فغضب الشيخ غضبا شديدا ، واحمرّت عيناه ، وجثا على ركبتيه ، وطلعت الزبدة على شدقيه . قال والدي وابن رزق : حتى ظنناه سبعا يريد أن يفترسنا ، وبقي على هذه الحال هنيهة ، ثم قال : وعزّة العزيز ، طرشهم طرشة بدّد شملهم ، وفتح يديه يمنة ويسرة ، ثم سري عنه . وقال : قل لهم يا محيي الدين : فليفتحوا أبواب البلد . قالا : فقمنا ، وأمرنا بفتح الأبواب كما قال ، ثم باكرنا الخبر في اليوم الثالث برحيل غازان عن مدينة دمشق في الساعة التي قال فيها الشيخ عثمان ما قال . وحكى لي الشيخ نجم الدين محمد بن أبي الطيب قال : كان لخالنا القاضي تقي الدين
--> ( 1 ) هكذا وردت في المخطوط ، ولم أتبينها .