أحمد بن يحيى العمري
271
مسالك الأبصار في ممالك الأمصار
المعمّداني ، فنهبها ، وصيّرها مسجدا ، وسمّاها " المدرسة الخضراء " وأنفق في تغييرها من بيت المال مالا كثيرا . « 1 » وهدم بالقدس كنيسة النصارى المعروفة بالمصلّبة ، وهي جليلة عندهم ، وقتل قسيسها بيده ، وعملها زاوية . وكان واسع الصدر ، يعطي ويفرّق الدراهم والذهب ، وعمل الأطعمة الفاخرة ، في قدور مفرطة في الكبر بحيث يحمل القدرة الواحدة الجماعة من الحمّالين . وكانت أحواله عجيبة لا تكيّف ، ولا تنتظم ، والأقوال فيه مختلفة ، فمن الناس من أثبت صلاحه ، ومنهم من رماه بالعظائم ، والله أعلم بحقيقة حاله . قلت : حكى لي والدي رحمه الله تعالى ، قال : كان الشيخ خضر عظيم المكانة عند الملك الظاهر ، لا يخالفه في شيء ، وكان جريئا باللسان وباليد إلى غاية ، فضاق منه الوزير ابن حنا ضيقا عظيما ، ولم يجد له سبيلا إلى إبعاده ، فشرع في التحيّل عليه ، وكانت بدمشق امرأة تعرف ببنت ابن نظيف ، بارعة في الحسن ، خالية من الزوج ، محبّة لأهل الخير ، فأتى الشيخ خضر في بعض أسفاره دمشق ، فسمعت به ، وبعثت إليه بأنواع من المآكل ، ثم دعته إلى دار لها لضيافة عملتها له ؛ فجاءها ، وأقام عندها أياما في مأكل وأوقات طيبة لا ريبة فيها ، فبلغ ذلك ابن حنا ، فجعله سلّما له إلى ما يريد يتسلق منه على الشيخ خضر ، وذلك أنه خلّى تاج الدين ابن ابنه ، تزوّج المرأة وأبقاها في عصمته مدة طويلة ، وحملها بالرغبة والرهبة على ما تقوله في الشيخ خضر ، ثم طلّقها سرا ، وتحيل جده على الظاهر حتى ألقى في أذنه أن الشيخ خضر يشرب الخمر ، ويزني ، وأنه كان قد أحب امرأة من بنات ابن نظيف ، وأفسدها ، وأن تاج الدين تزوجها ، ثم لم ينته عنها الشيخ خضر ، وبقي يأتي إليها ، فطلّقها ، وأنها لو سئلت لأخبرت بالخبر ، فبعث الظاهر إلى نائبه بدمشق في ذلك ، وأحضر المرأة وسألها ، وهي لا تعلم بتطليق تاج الدين لها ، فقالت ما قرر معها أن تقوله ، فكتب
--> ( 1 ) ذيل مرآة الزمان 3 / 268 .