أحمد بن يحيى العمري
259
مسالك الأبصار في ممالك الأمصار
فلما قرب من البلد عرّج عنه ، وقصد المكان الذي فيه الشيخ والجماعة ، فجاء وسلّم وقال : يا سيدي ! أسألك أن تأخذ عليّ العهد أن أكون من أصحابك . فقال له الشيخ : وعزّة المعبود ، أنت من أصحابي . فقال : الحمد لله ، لهذا قصدتك ، واستأذن الشيخ في الرجوع إلى أهله ، فقال له الشيخ : وأين أهلك ؟ . قال : في الهند ! . قال : متى خرجت من عندهم ؟ . قال : صليت العصر ، وخرجت لزيارتك . فقال له الشيخ : أنت الليلة ضيفنا ، فبات عند الشيخ ، وبتنا عنده . فلما أصبحنا من الغد طلب السفر ، فخرج الشيخ ، وخرجنا في خدمته لوداعه ، فلما سرنا في وداع الشيخ ، وضع الشيخ يده بين كتفيه ، ودفعه ، فغاب عنا ، ولم نره ، فقال الشيخ : وعزّة المعبود في دفعتي له وضع رجله في باب داره بالهند ، أو كما قال . « 1 » قال حفيده : سمعت علم الدين الشيرازي يحكي لوالدي : قال : كنت في بعض أسفاري ، فأدركني شيء من الجوع والعطش ، وأوقع الله تعالى في نفسي أن الله يطلع الشيخ على حالي ، فإذا أنا بإنسان واقف على صخرة ، وهو يشير إليّ : أن تعال . فمضيت إليه ، وإذا هو الشيخ ، وعنده كوز ماء ، ورغيف خبز ! . فقال : كل . فجلست وأكلت ، وشربت . وحملت ما فضل . قال حفيده : وسمعت والدي يقول : ولما كان في سنة ثمان وخمسين وستمائة ، وكان الشيخ في حلب وقد حصل فيها ما حصل من فتنة التتار ، وكان نازلا في المدرسة الأسدية . فقال لي : يا بني ! اذهب إلى بيتنا ، فلعلك تجد ما نأكل . فذهبت إلى الدار ، فوجدت الشيخ عيسى الرصافي ، وكان من أصحابه ، مقتولا في الدار ، وعليه دلق « 2 » الشيخ ، وقد حرق ، ولم يحترق الدّلق ، ولم تمسّه النار ، فأخذته وخرجت ، فوجدني بعض بني جهبل ، فأخبرته بخبر الدّلق ، فحلف عليّ بالطلاق وأخذه مني . « 3 »
--> ( 1 ) ذيل مرآة الزمان 1 / 397 - 398 . ( 2 ) الدلق فارسية معناها : خرقة ، أو مرقعة ، أو ثياب بلا قيمة . " المعجم الفارسي الكبير د . إبراهيم الدسوقي " . ( 3 ) تاريخ الإسلام 48 / 375 .