أحمد بن يحيى العمري
243
مسالك الأبصار في ممالك الأمصار
وكان يلبس ثيابا طوالا تكنس الأرض وهو حاف ، مكشوف الرأس ، طويل الصمت ، قليل استعمال الماء ، ولكثير من الناس فيه عقيدة جميلة ، ويحكون عنه أنه يكاشفهم في كثير من الأوقات . وكان بعض من يعتقد فيه يحضر له شيئا من المأكول والمشروب ، ويجتهد فيه ، فيتناول منه قدرا يسيرا . ولازم هذه الطريقة الشاقة إلى أن توفي في سادس شعبان سنة سبع وخمسين وستمائة ، بدمشق . ودفن بتربة المولّهين ، بقاسيون ، ولم يتخلّف عن جنازته إلا القليل من الناس . وكان من غرائب العالم ، يترنّح في مشيته ، ولا يلتفت إلى أحد ولا يعبأ به . « 1 » ومنهم : 64 - الأكّال : محمّد بن خليل بن عبد الوهّاب بن بدر . أبو عبد الله البيطار « 13 » حبّب إلى الناس حسن منظره ، ويمن محضره ، فكانوا يغشونه ، وكادوا بهدب الأجفان يعشونه ، لأنهم كانوا للنصح لا يستغشونه ، ولخالص الودّ معه لا يغشونه ، فكان لا يزال مجلسه معمورا ، ومجالسه معذورا ، رغبة في أنسه ، ومحبة لنوعه الغريب في جنسه . وكان يقصد من السلطان فمن دونه بأطايب الطعام ، ومواهب الإنعام ، وتنوع له تلك الأطعمة ، وتبذل في النفقات عليها الأيدي المنعمة ، ولا يأكل إلا بالأجرة تلك المآكل ، ثم يجعل تلك الجعالة للأرمل والثاكل ، فما جاءه منها بالأجرة مقربا أكل منه ، وأطعم ، وفضّ ختام ذلك المبلغ وأنعم ، وما جاءه بغير شيء ردّه ، وتركه ما مدّ يده إليه ولا مدّه .
--> ( 1 ) ذيل مرآة الزمان 1 / 348 ، وسير أعلام النبلاء 23 / 302 . ( 13 ) انظر ترجمته في : ذيل الروضتين 207 ، والبداية والنهاية 13 / 229 ، وذيل مرآة الزمان 1 / 389 - 392 ، والعبر 5 / 248 ، والوافي بالوفيات 3 / 49 ، وعيون التواريخ 20 / 245 ، وفوات الوفيات 3 / 351 - 352 ، رقم 449 ، وشذرات الذهب 5 / 294 ، وتاريخ الإسلام للذهبي 48 / 362 - 363 رقم 460 .