أحمد بن يحيى العمري
244
مسالك الأبصار في ممالك الأمصار
ويحكى عنه في هذا حكايات غرائب ونوادر : حكى لي شيخنا شهاب الدين أبو الثناء محمود الحلبي الكاتب رحمه الله ، قال : اجتمع طائفة من الأمراء يوما ، فتحدّثوا في طريقة الشيخ محمد ، فقالوا : نريد نغلبه ، ونتحيل حتى يأكل شيئا بغير أجرة ! . فقال واحد منهم : أنا أفعل هذا ، فبعث ، فاشترى رأسين سمان من الغنم ، ثم عمد إلى خرجين لطيفين ، فملأ عين كل واحد منهما أرزا والآخر سكرا ، ثم شدّهما عليهما ، وبعث بهما رجلا استغفل الشيخ محمد ، حتى أتى من الجامع ، وفتح باب بيته ، ودخل ، فلما علم أنه قد صار داخل الدار ، ساق الرأسين إلى داخل الدار ، ثم ردّ الباب عليهما وسكّره ، فلما شعر الشيخ محمد بدخولهما ، خرج فرآهما ! ، فقال : نعم ، يريدون أن آكل هذا بلا أجرة ! ، لا كيد ، ولا كرامة ، والرجل الذي أحضرهما خارج الباب يسمع ، فانطلق إلى أصحابه ، وأخبرهم . ثم إن الشيخ محمدا لم يزل بالباب حتى فتحه ، وأخرج الغنم إلى الزقاق بما عليهما وطردهما ، وجعل يقول : يا غنم ! إن كان لهم حاجة يبعثوا معك الأجرة حتى آكل ، وإلا ما آكل . فلما أبعدت الغنم رجع الشيخ محمد إلى داره ، وتمت الغنم جارية تشق الأسواق ، والطرقات ، حتى أتت دار القيامرة ، فدخلت إلى الموضع الذي بعثت منه ، بما عليها ، لم يتعرّض لها أحد ! . فلما رأوا ذلك أكبروه ، ثم ركب بعض أولئك الجماعة لزيارة الشيخ على عادتهم ، فلما دخل عليه قال : إنكم شطّار ملاح ، أردتم أن آكل لكم بالسخرة ، وما كفاكم هذا حتى أردتم أن أطبخ لكم بالسخرة ، وأن أذبح لكم ، وأسلخ بالسخرة ، وأنا هذا ما أفعله ، ولا آخذ إلا طعاما مطبوخا ، لا يكون عليّ في آكله كثير تعب ، وبعد هذا ما آكله إلا بالأجرة ، قم عني ، قم ! . فقام ، وأتى أصحابه ، وأعلمهم ، فعملوا له أطعمة فاخرة ، ثم بعثوا معها مائة دينار ، حتى أكل من الطعام ، وفرّق الذهب بأجمعه في سبيل الخير . قال شيخنا شهاب الدين : وكان هذا دأب الشيخ محمد ، ومهما جاءه ، فرّقه على المستحقين ، لا يدّخر شيئا منه ، وكان عنده لكل طعام أجره ، وكل ما كان الطعام أفخر ، كانت أجرته على أكله أكثر ، حتى سمّي بالأكّال لذلك ، وكان من أقلّ الناس أكلا . هذا ما حكاه لي .