أحمد بن يحيى العمري

211

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار

ولو لم أسمع هذه الحكاية من الفقيه ما صدّقت « 1 » . وقال الشيخ محمد السكاكيني ، وكان لا يكاد يفارق الشيخ ، قال : دعاني إنسان ، وألحّ عليّ ؛ [ فأتيته ] فقلت : كيف أخلي الشيخ ؟ فقال : لا بدّ من هذا . فلما كان الليل ، قلت في نفسي : يكون الشيخ في الجبل ، وأنا ها هنا ، فقمت ، وطلعت من السور ، من عند عمود الراهب ، وجئت إلى الزاوية ، فإذا الشيخ ظاهرها وهو يقول : يا مولاي ! ترسل إليّ الناس في حوائجهم ؟ ، من هو أنا حتى ترسلهم إليّ ؟ . اقضها أنت لهم يا مولاي ! . إبراهيم النصراني من جبّة بشرّي « 2 » ، يا مولاي ! ، ودعا له ، فبهتّ لذلك ، ونمت ، ثم قمت إلى الفجر ، وبقيت عنده يومئذ إلى الليل . فلما كان الليل وأنا ظاهر الزاوية ، إذا بشخص ، فقلت : أيش تعمل هنا ؟ . وإذا هو إبراهيم النصراني ! . من " جبة بشرّي " ، قلت : أيش جابك ؟ . قال : أين الشيخ ؟ . قلت : يكون في المغارة ، وأيش تريد به ؟ . قال : رأيت البارحة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول : تروح إلى الشيخ عبد الله ، وتسلم على يده ، فقد شفع فيك ! . فرحنا إلى الشيخ وإذا به في المغارة ، فلما رآه الشيخ ، قال : يا سيد ! أيش بك ؟ . فقصّ عليه ما رأى ، فتفجّرت عينا الشيخ ، وغرغرت بالدموع ، وقال : " سماني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شويخ ! ؟ . فأسلم إبراهيم ، وجاء منه رجلا صالحا « 3 » . وقال عبد الصمد : والله الذي لا إله إلا هو ، مذ خدمت الشيخ عبد الله ، ما رأيته استند على شيء ، ولا سعل ، ولا تنحنح ، ولا بصق « 4 » .

--> ( 1 ) تاريخ الإسلام 44 / 340 . ( 2 ) بشرّي : بتشديد الراء وفي آخره الياء آخر الحروف ، وهي بلدة بسفح جبال الأرز من شمال لبنان ، أهلها نصارى موارنة . ( 3 ) تاريخ الإسلام 44 / 340 - 341 . ( 4 ) تاريخ الإسلام 44 / 341 .