أحمد بن يحيى العمري
192
مسالك الأبصار في ممالك الأمصار
قائل - لم أر شخصه - : اقترض ما تستعين به على طلب الفقه . فقلت : كيف أقترض وأنا فقير ولا وفاء لي ؟ . قال : اقترض وعلينا الوفاء . فأتيت بقالا ، فقلت : تعاملني بشرط : إذا سهّل الله أعطيتك ، وإن متّ تجعلني في حلّ ؟ . تعطيني كل يوم رغيفا ورشادا . فبكى وقال : أنا بحكمك . فأخذت منه مدّة ، فضاق صدري ، فقيل لي : امض إلى موضع كذا ، فأيّ شيء رأيت على الدكّة ، فخذه ، وادفعه إلى البقال . فلما جئت رأيت قطعة ذهب كبيرة ، فأعطيتها البقلي « 1 » . ولحقني الجنون مرة ، وحملت إلى المارستان ، فطرقتني الأحوال حتى حسبوا أني متّ ، وجاؤوا بالكفن ، وجعلوني على المغتسل ، ثم سرّي عني ، وقمت ، ثم وقع في نفسي أن أخرج من بغداد لكثرة الفتن ، فخرجت إلى باب الحلبة ، فقال لي قائل : إلى أين تمشي ؟ ! ، ودفعني دفعة خررت منها ، وقال : ارجع فإن للناس فيك منفعة . قلت : أريد سلامة ديني . قال : لك ذاك ، ولم أر شخصه . ثم بعد ذلك طرقتني الأحوال ، فكنت أتمنى من يكشفها لي ، فاجتزت بالظّفريّة « 2 » ، ففتح رجل داره ، وقال : يا عبد القادر ! ، أيش طلبت البارحة ؟ . فنسيت ، فسكتّ ، فاغتاظ ، ودفع الباب في وجهي دفعة عظيمة ، فلما مشيت ذكرت فرجعت أطلب الباب ، فلم أجده . قال : وكان حمادا الدباس ، ثم عرفته بعد ، وكشف لي جميع ما كان يشكل علي ، وكنت إذا غبت عنه لطلب العلم وجئت ، يقول : أيش جاء بك إلينا ؟ أنت فقيه ، مرّ إلى الفقهاء ، وأنا أسكت ، فلما كان يوم جمعة ، خرجت مع الجماعة في شدة البرد ، فدفعني ألقاني في الماء ، فقلت : غسل الجمعة ، بسم الله ، وكان عليّ جبّة صوف ، وفي كمي أجزاء ،
--> ( 1 ) سير أعلام النبلاء 20 / 445 . ( 2 ) محلة بشرقي بغداد كبيرة .