أحمد بن يحيى العمري

193

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار

فرفعت كمّي لئلا تهلك الأجزاء ، وخلّوني ، ومشوا ، فعصرت الجبّة ، وتبعتهم ، وتأذّيت بالبرد كثيرا ، وكان الشيخ يؤذيني ، ويضربني ، وإذا جئت يقول : جاءنا اليوم الخبز الكثير ، والفالوذج ، وأكلنا وما خبّأنا لك وحشة عليك ! . فطمع فيّ أصحابه ، وقالوا : أنت فقيه ، أيش تعمل معنا ؟ ، فلما رآهم يؤذونني ، غار علي ، وقال : يا كلاب ! لم تؤذونه ؟ والله ما فيكم مثله ! ، وإنما أوذيه لأمتحنه ، فأراه جبلا ، لا يتحرك ، ثم بعد مدة ، قدم رجل من همذان ، يقال له : يوسف الهمذاني ، وكان يقال : إنه القطب ، ونزل في رباط ، فمشيت إليه ، لم أره ، وقيل لي : هو في السرداب ، فنزلت إليه ، فلما رآني قام ، وأجلسني ، ففرشني ، وذكر لي جميع أحوالي ، وحلّ لي المشكل عليّ ، ثم قال لي : تكلّم على الناس . فقلت : يا سيدي ! أنا رجل أعجميّ ، قح ، أخرس ، أتكلّم على فصحاء بغداد ؟ ! . فقال لي : أنت حفظت الفقه وأصوله ، والخلاف والنحو ، واللغة ، وتفسير القرآن ، لا يصلح لك أن تتكلم ؟ . اصعد على الكرسي ، وتكلّم ، فإني أرى فيك عذقا سيصير نخلة . « 1 » قال : وكنت أومر ، وأنهى ، في النوم واليقظة ، وكان يغلب عليّ الكلام ، ويزدحم على قلبي إن لم أتكلم به حتى أكاد أختنق ، ولا أقدر أسكت ، وكان يجلس عندي رجلان وثلاثة ، ثم تسامع الناس بي ، وازدحم الخلق عليّ ، حتى صار يحضر مجلسي [ نحو من ] « 2 » سبعين ألفا . وقال : فتّشت الأعمال كلها فما وجدت فيها أفضل من إطعام الطعام ، أودّ لو أن الدنيا بيدي فأطعمها الجياع ، كفّي مثقوبة لا تضبط شيئا ! . لو جاءني ألف دينار لم أبيّتها ، وكان إذا جاءه أحد بذهب ، يقول : ضعه تحت السجادة . وقال : " أتمنى أن أكون في الصحارى والبراري كما كنت في الأول لا أرى الخلق ولا يروني " .

--> ( 1 ) سير أعلام النبلاء 20 / 445 - 447 . ( 2 ) ما بين المعقوفتين ساقط من النسخة المخطوطة ، استكمل من سير أعلام النبلاء 20 / 447 .