أحمد بن يحيى العمري
191
مسالك الأبصار في ممالك الأمصار
وقال الشيخ عبد القادر : طالبتني نفسي يوما بشهوة ، فكنت أضاجرها ، وأدخل في درب ، وأخرج من آخر أطلب الصحراء ، فرأيت رقعة ملقاة ، فإذا فيها : ما للأقوياء والشهوات ؟ ! ، وإنما خلقت الشهوات للضعفاء . فخرجت الشهوة من قلبي . قال : وكنت أقتات بخرّوب الشوك ، وورق الخس ، من جانب النهر « 1 » . وحكى ابن النجار عن الشيخ عبد القادر قال : " بلغت بي الضائقة في الغلاء إلى أن بقيت أياما لا آكل طعاما ، بل أتبع المنبوذات ، فخرجت يوما إلى الشط ، فوجدت قد سبقني الفقراء ، فضعفت ، وعجزت عن التماسك ، فدخلت مسجدا ، وقعدت ، وكدت أصافح الموت ، ودخل شاب أعجميّ ومعه خبز وشواء ، فرآني ، فقال : بسم الله ، فأبيت ، فأقسم علي ، فأكلت مقصرا ، وأخذ يسألني ، ما شغلك ؟ ومن أين أنت ؟ . فقلت : متفقّه من جيلان ، قال : وأنا من جيلان ، فهل تعرف لي شابا جيلانيا اسمه عبد القادر يعرف بسبط أبي عبد الله الزاهد ؟ . فقلت : أنا هو ! . فاضطرب لذلك ، وتغير وجهه ، وقال : والله يا أخي ، لقد وصلت إلى بغداد ومعي بقية نفقة لي ، فسألت عنك ، فلم يرشدني أحد إلى أن نفدت نفقتي ، وبقيت بعدها ثلاثة أيام لا أجد ثمن قوتي إلا من مالك ، فلما كان هذا اليوم الرابع ، قلت : قد تجاوزتني ثلاثة أيام ، وحلّت لي الميتة ، فأخذت من وديعتك ثمن هذا الخبز والشواء ، فكل طيبا ، فإنما هو لك ، وأنا ضيفك الآن . فقلت : وما ذاك ؟ . قال : أمّك وجّهت معي ثمانية دنانير ، والله ما خنتك فيها إلى اليوم ، فسكّنته ، وطيّبت نفسه ، ودفعت إليه شيئا منها « 2 » . وحكي عنه أيضا أنه قال : " كنت في الصحراء أكرر في الفقه وأنا في فاقة ، فقال لي
--> ( 1 ) انظر : طبقات ابن رجب 1 / 298 ، و " فوات الوفيات " 2 / 373 ، 374 ، وسير أعلام النبلاء 20 / 444 . ( 2 ) انظر : طبقات ابن رجب 1 / 299 ، والنص فيه : وكان ربما أغشي علي ، فيغسلوني ، ويحسبوني أني متّ من الحال التي تطرقني . وكذا انظر : سير أعلام النبلاء 20 / 445 .