أحمد بن يحيى العمري

96

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار

ساعة من أيامه إلّا في محاضرة ، ولا لفظة من كلامه إلّا في مناظرة ، إلى أن كان سهمه من الحظ موفرا ، وقيل كلّ الصيد في جوف الفرا ، فأخذ في كل فنّ ، وشذّ وجود مثله في ظنّ ، حتى كان إليه المرجع في كل مرام ، والمبرّد الذي لا يخبو له ضرام . قلت . جرى مرة ذكر علم النحو وأهل العلم به ، وانتصر رجل حضرنا لليزيدي وفضّله على المبرّد ، وسئلت في ذلك فقلت : [ الطويل ] لئن أصبحت أهل العلوم مواردا * ويصدر عنها بالرواء ويورد فورد اليزيديّ الذي ليس مثله * لديّ عطاش والشّراب المبرّد قال ابن خلكان : نزل بغداد ، وكان إماما في النحو واللغة ، وله التواليف النافعة في الأدب ، منها الكامل والروضة والمقتضب ، أخذ عن المازني والسجستاني وأخذ عنه نفطويه وغيره ، وكان المبرد وثعلب صاحب الفصيح عالمين متعاصرين قد ختم بهما تاريخ الأكفاء ، وكان المبرد يحب الاجتماع بثعلب للمناظرة والاستكثار منه ، وكان ثعلب يكره ذلك ، ويمتنع منه ، وكان المبرّد كثير النوادر . حكي أن المنصور ولى رجلا على الإجراء على العميان والأيتام والقواعد من النساء ، فدخل عليه بعض المتخلفين ومعه ولده ، فقال له : إن رأيت أصلحك الله أن تثبت اسمي مع القواعد ، فقال له القواعد نساء ، فكيف أثبتك فيهنّ ، قال : ففي العميان ، قال : أما هذا فنعم ؛ لأن الله تعالى يقول لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور ، فقال : وتثبّت ولدي في الأيتام ، فقال هذا أفعله أيضا ، فإنه من تكن أنت أباه فهو يتيم وقد عناه ابن المعذل فقال : [ الوافر ] سألنا عن ثمالة كلّ حيّ * فقال القائلون ومن ثماله فقلت محمد بن يزيد منهم * فقالوا زدتنا بهم جهاله فقال لي المبرّد خلّ عنّا * فقومي معشر فيهم نذاله وقال ابن خلكان : ويقال إنّ المبرّد قال هذه الأبيات لتحفظ [ و ] ليشتهر نسبه في ثمالة . ولد المبرّد يوم عيد الأضحى سنة عشر ، وقيل سنة سبع وثلاثين وتوفي في ذي الحجة سنة ست وثمانين ، وقيل في ذي القعدة سنة خمس وثمانين ومئتين ببغداد . وفي ثعلب قال أبو