أحمد بن يحيى العمري

94

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار

حسده من لم يحم معه على المناهل ، وشغل بغيره ، فقيل متى أنت عن دهليّة « 1 » الحي داهل ، هذا مع ورع كلّه تقى لا يقيه ، ومآثر سلفت لسلفه . وكانت لجدّه بقية نسب لو عرف به الليل لما وسم ينكره ، أو آل إلى وائل لقدّمه بكره لم يجهل بالفضل اعتناقه ونهوضه ، بما لو أنه لبكر سواه لشدّ خناقه . قال ابن خلّكان : كان إمام عصره في النحو والأدب ، أخذ الآداب عن أبي عبيدة والأصمعي وأبي زيد ، وأخذ عنه المبرّد ، وبه انتفع ، وكان في غاية الورع . وبذل له بعض الذمّة « 2 » مئة دينار على إقراء كتاب سيبويه له فامتنع . قال المبرّد : فقلت له جعلت فداك أتردّ هذه المنفعة مع فاقتك وشدّة إضاقتك . فقال : إنّ هذا يشتمل على ثلاثمئة كذا وكذا آية من كتاب اللّه عزّ وجلّ ، ولست أرى أن أمكّن منها ذميّا غيرة على كتاب الله وحميّة له ، قال : فاتفق أن غنّت جارية بحضرة الواثق تقول للعرجي : [ الكامل المرفل ] أظلوم إنّ مصابكم رجلا * أهدى السّلام تحية ظلم « 3 » فاختلف في إعراب ، رجل ، فمنهم من نصبه وجعله اسم ، إنّ ، ومنهم من رفعه على أنه خبرها ، والجارية مصرّة على أن أبا عثمان لقّنها إياه بالنصب ، فأمر الواثق بإشخاصه ، قال أبو عثمان : فلما مثلت بين يديه ، قال ممّن الرجل ؟ قلت . من بني مازن ، قال : أيّ الموازن ، أمازن تميم أم مازن قيس أم مازن ربيعة ؟ قلت : من مازن ربيعة ، فكلمني بكلام قومي ، وقال ما اسبك ؛ لأنهم يقلبون الميم باء والباء ميما ، فكرهت أن أجيبه على لغة قومي لئلّا أواجهه بالكبر ، قلت ، بكر يا أمير المؤمنين ، ففطن لما قصدته ، وتعجّب ، وقال : ما تقول في قول الشاعر : أظلوم إن مصابكم رجلا أترفع رجلا أم تنصبه ؟ فقلت : بل الوجه النصب يا أمير المؤمنين ، فقال ولم ذلك : فقلت ؟

--> ( 1 ) دهلية الحيّ : الداهل : المتحيّر . اللسان 4 / 429 . ( 2 ) أي ، واحد من أهل الذمة . ( 3 ) وردت في الديوان : أظليم ، ديوان العرجي 319 .