أحمد بن يحيى العمري

75

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار

1 - أبو الأسود الدؤلي « 13 » وأما علم النحو الذي هو رأس علوم الإسلام ، وبه تتبين سبل الكلام ؛ فإنما نبع من المشرق وامتدّ منه سحابه المغدق ، ثم منه بقية الآفاق امتاروا ، وحملت أهل المغرب أوقار « 1 » الركائب وساروا . وسنذكر إن شاء الله مشاهير أهله ، وننبّه على فضل كل منهم ونبله ، ونبدأ بأول من وضع هذا العلم ، وهو أبو الأسود الدؤلي ظالم بن عمر بن سفين بن جندل بن يعمر ابن حلس بن بقاية بن عدي بن الدئل بن بكر بن عبد مناة ، أول أهل النحو . هذا الذي استنبط معينه واستنشط معينه ، وانتصر للعرب وقد فسدت ألسنتها وضفيت حسنتها ، وقام قياما حملته عليه العربية وحمية الغضب لهم والعصبية ، ورأى العرب وقد استوطنت ريف العراق ، كثر اختلاطها بفارس والروم وسائر أخلاط العجم ، وانحبس من قطرها ما انسجم ، وزاده استفهام ابنته عن الأحسن من نجوم السماء ما زاد باعثه وأحدث حادثه ، فبات بليلة كأنما قصّت قوادم غرابها ولم ير من عدد الصباح إلّا لوامع سرابها . فلمّا انفجر دمّل ليله ، وقرّت في منبثق النهار قرارة سيله أتى مدينة العلم من بابها ، وهبّ لحاجته ما أعدّ من أسبابها ، فقوّم له أمير المؤمنين علي رضي اللّه عنه ذلك المناد « 2 » ، وعاد صلاحه على ذلك الفساد ، وعلّمه كلمات بها تاب الله على لسان العرب وأمسك منه ما كان قد اضطرب . ويروى أن الذي قال له : الكلمات ثلاث لم يزده عليها ، وقال بعضهم قاله : الكلمات ثلاث اسم وفعل وحرف . قال آخرون : قال له ، اعلم أنّ الكلمات ثلاث لا يمكن الزيادة عليها ، ولا النقص منها وهي اسم وفعل وحرف . وقد زعم كثير أنه إنما استأذن في ذلك زياد

--> ( 13 ) ترجمته في : تاريخ العلماء النحويين 164 ، والفهرمت 46 ، وإنباه الرواة 1 / 13 ، وبغية الوعاة 2 / 22 . توفي سنة 69 ه . ( 1 ) أوقار : الوقر : الصدع والثّقل . اللسان ( وقر ) 15 / 364 . ( 2 ) المناد : الشرود والنفور . اللسان ( ندد ) 14 / 89 .