أحمد بن يحيى العمري
76
مسالك الأبصار في ممالك الأمصار
ابن أبيه ، فقال له هذا الكلام ، والأول أثبت لصحبته لعليّ رضي الله عنه ، ولأن الحكمة منه أشبه . قال ابن خلكان : كان من سادات التابعين ، وصحب علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه وشهد معه صفّين ، وهو مصري ، وكان من أكمل الرجال رأيا وأشدهم عقلا وهو أول من وضع النحو . فقيل إن عليا رضي الله عنه وضع له الكلام فقال : الكلام كلّه ثلاثة أضرب اسم وفعل وحرف ، ثم دفعه إليه وتمّم على هذا . وقيل إنه كان يعلّم أولاد زياد بن أبيه وهو والي العراقين يومئذ ، فجاءه يوما فقال : أصلح الله الأمير إني رأيت العرب قد خالطت هذه الأعاجم وتغيرت ألسنتهم ، أفتأذن لي أن أضع للعرب ما يعرفون كلامهم ، قال : لا . فجاء رجل إلى زياد وقال : أصلح الله الأمير : ، توفّي أبانا وترك بنون . قال : ادعوا لي أبا الأسود ، فلمّا حضر قال : ضع للناس الذي كنت نهيتك أن تضع لهم . وقيل : إنه دخل يوما بيته فقال له بعض بناته : يا أبت ما أحسن السماء ، فقال : إني لم أدر أيّ شيء منها أحسن وحكى ولده أبو حرب ، قال : أول باب وضع أبي باب التعجب ، وسمّي النحو نحوا لأن أبا الأسود قال : استأذنت على علي بن أبي طالب أن أضع نحو ما وضع ، فسمي لذلك ، وكان لأبي الأسود بالبصرة دار وله جار يتأذى منه ، فقيل له : بعت دارك ، فقال بعت جاري ، فأرسلها مثلا . وأنشد من شعره قوله : [ الوافر ] وما طلب المعيشة بالتّمنّي * ولكن ألق دلوك في الدّلاء تجيء بملئها طورا وطورا * تجيء بحمأة وقليل ماء وقوله : [ الكامل ] صبغت أميّة بالدّماء أكفّنا * وطوت أميّة دوننا دنياها « 1 » ويحكى أنه أصابه الفالج ، وكان يخرج إلى السوق يجرّ رجله ، وكان موسرا ذا عبيد وإماء ، فقيل له : قد أغناك الله عن السعي في حاجتك ، فلو جلست في بيتك فقال : لا ؛
--> ( 1 ) البيت منسوب إلى جواس بن القعطل الكلبي ، ينظر شعر قبيلة كلب 237 .