أحمد بن يحيى العمري

17

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار

أدري من أين أتى ؟ وزعم الباهلي « 1 » أن طلبة العلم كانوا إذا أتوا مجلس الأصمعي اشتروا البعر في سوق الدّر ، وإذا أتوا مجلس أبي عبيدة اشتروا الدرّ في سوق البعر ؛ لأنّ الأصمعي كان حسن الإنشاد والزخرفة ، رديء الأخبار والأشعار حتى يحسن عنده القبيح ، وإن الفائدة عند ذلك قليلة . وانّ أبا عبيدة كان معه سوء عبارة مع فوائد كثيرة وعلوم جمّة ، ولم يكن أبو عبيدة يفسّر الشعر . قال المبرد : كان أبو زيد سعيد بن أوس الأنصاري أعلم من الأصمعي وأبي عبيدة بالنحو ، وهما بعده يتقاربان ، وكان أبو عبيدة أكمل القوم ، وكان ابن المديني يحسن ذكر أبي عبيدة ، ويصحّح روايته ، ولا يحكي عن العرب الشيء الصحيح ، وحمل أبو عبيدة والأصمعي إلى الرشيد للمجالسة ، فاختار الأصمعي ؛ لأنه كان أصلح للمنادمة وكان أبو نواس يتعلم من أبي عبيدة ، وينصفه وينسى الأصمعي ويهجره ، فقيل له : ما تقول في الأصمعي ؟ فقال : بلبل في قفص . قيل : فما تقول في خلف الأحمر ؟ فقال : جمع علوم الناس وفهمها . قيل : فما تقول في أبي عبيدة ؟ فقال : ذاك أديم طوي على علم ، قال عن تصانيفه تقارب مئتي تصنيف . وقال أبو عبيدة : لمّا قدمت على الفضل بن الربيع ، قال لي : من أشعر الناس ؟ قلت : الراعي « 2 » . فقال : كيف فضلته على غيره ؟ فقلت : لأنه ورد على سعيد بن عبد الرحمن الأموي ، فوصل في يومه الذي لقيته فيه ، فقال يصف حاله معه ؟ [ الوافر ] وأنضاء « 3 » تحنّ إلى سعيد * طروقا « 4 » ثمّ عجّلن ابتكارا حمدن مناخة وأصبن منه * عطاء لم يكن غده ضمارا

--> ( 1 ) هو صاحب كتاب ( المعاني ) . إنباه الرواة 3 / 279 . ( 2 ) يعني : الراعي النميري . ( 3 ) أنضاء : مفردها ، نضو ، وهي : البعير المهزول . اللسان ( نضو ) 14 / 182 . ( 4 ) الطروق : الطرق ، ماء الفحل ، وقيل : الضراب . اللسان ( طرق ) 8 / 151 .