أحمد بن يحيى العمري
349
مسالك الأبصار في ممالك الأمصار
الذي قل من لا استقى من بحره ، أو اغترف غرفة بيده من نهره « 1 » ، أو جاء بعده من القرّاء مجيد إلا وقصيدته " حرز الأماني " تميمة « 2 » معلقة على نحره . ولد في آخر سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة ، وقرأ ببلده القراءات ، وأتقنها ، ثم ارتحل إلى بلنسية - وهي قريبة من شاطبة - فعرض بها القراءات والتفسير من حفظه ، وسمع الحديث ، وارتحل ليحج « 3 » ، واستوطن مصر ، واشتهر اسمه ، وبعد صيته ، وقصده الطلبة من النواحي ، وكان إماما علامة
--> ( 1 ) أخذه من قوله تعالى قالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ [ البقرة ] : 249 . ( 2 ) التميمة : ما يعلق في العنق للظن في دفع الأذى أو الحسد وقد جاء عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : " من علق تميمة فلا أتم الله له " ( خ ) . المكنز الكبير . ( 1049 ) / 467 / وهو يريد أن يقول : هي محفوظة لديه في صدره كما لو كانت تميمة معلقة . والتميمة : حرز ، أو قلادة تعلق في الرأس ، كانوا في الجاهلية يعتقدون أن ذلك يدفع الآفات ، وقد اعتبرها رسول الله صلى اللّه عليه وسلم من الشرك ، وذلك لأنهم أرادوا دفع المضار ، وجلب المنافع من عند غير الله ، ولا يدخل في ذلك ما كان بأسماء الله ، وكلامه ، فقد ثبت استعمال ذلك قبل وقوعه ، وبعده ، وقد أجمع العلماء على جواز الرقى عند اجتماع ثلاثة شروط : - أن يكون بكلام الله تعالى ، أو أسمائه ، وصفاته . وباللسان العربي ، أو بما يعرف معناه من غيره . وأن يعتقد أن الرقية لا تؤثر بذاتها ، وإنما بأمر الله تعالى . فلا بد من اعتبار الشروط الثلاثة ففي صحيح مسلم من حديث عوف بن مالك رضي الله عنه قال : كنا نرقي في الجاهلية ، فقلنا : يا رسول الله ، كيف ترى في ذلك ؟ فقال : اعرضوا علي رقاكم ، لا بأس بالرقى ما لم يكن فيه شرك " ولمسلم من حديث جابر " نهى رسول الله عن الرقى ، فجاء آل عمرو بن حزم ، فقالوا : يا رسول الله ، إنه كانت عندنا رقية نرقى بها من العقرب ، قال فعرضوا عليه ، فقال : ما أرى بأسا ، من استطاع أن ينفع أخاه فلينفعه " . ينظر في تفصيل ذلك كتب الفقه والحديث المختلفة . ومن ذلك كتاب فتح الباري شرح صحيح البخاري . 10 / 205 - 213 . ( 3 ) سبب انتقاله من بلده : أنه أريد على الخطابة ، فاحتج بالحج ، وترك بلده ، ولم يعد إليها تورعا مما كانوا يلزمون الخطباء من ذكرهم الأمراء بأوصاف لم يرها سائغة ، وصبر على فقر شديد السير .