أحمد بن يحيى العمري
199
مسالك الأبصار في ممالك الأمصار
ولإسرافيل الموكل بالنفخ في الصور أن يلقم قرنه ، وللجديدين « 1 » أن يخلق ثوباهما ، وللخافقين أن يلتقي جانباهما « 2 » ، وللأفق أن ينزع سواره من معصمه ، وللشفق أن ينضح بماء الصباح ما تلطخ به ثوبه من دمه ، ولقد كان لي بانتظار الأجل القريب « 3 » شغل عن زخرف القول الذي فيه تعليل لباطله ، وتشقيق الكلام الذي فيه تعليق اللسان بحبائله ، بل اللهم فيما أثبته ذكرى لمصارع الأموات ، وبمواقع الصائد المجدّ في مصائد المنون ، وقد ظنّ أنه قد سبق به الفوات ، وإذ قد عرّضت عرضي بهذا التأليف هدفا لسهام الألسنة الراشقة « 4 » ، ودريئة « 5 » لرماح الطعن الماشقة « 6 » ، وسمحت به طرفة لكل خاطف ، وثمرة لكل قاطف ، ينهبه كل ناهب ، ويذهب به كل ذاهب ، وأقدمت على هذا البناء العظيم ، ورعيت في هذا الكلام الوخيم ، وهجمت على هذا الملأ ، الذي لا أكاد أثبت معرفة واحد من أمه ، ولا أميز صفه ذا غرة « 7 » من دهمه « 8 » ، واقتحمت هذا البحر وأنا أعرف خطره ، ودخلت هذا البر وأنا أجهل خبره ، قل هو نبأ عظيم أنتم عنه معرضون ، فها قد رهنت بما قلت كلامي ، وحاللت بما قالوا لوامي ، وركبت الغمرة وأنا لا أعرف أسبح ، وسريت الليل وأنا لا ( ص 72 ) أدري فجره أين
--> ( 1 ) الجديدان والأجدان : الليل والنهار . لسان العرب والقاموس المحيط وتاج العروس مادة ( جدد ) . ( 2 ) الخافقان : المشرق والمغرب . أو أفقاهما ، لأن الليل والنهار يختلفان فيهما . أو طرفا السماء والأرض . أو منتهاهما . القاموس المحيط ( خفق ) . ( 3 ) إشارة إلى مرضه أو سوء حاله التي كان ينتظر فيها انتهاء الأجل مما شغله عن زخرف القول . ( 4 ) الراشقة من الرّشق وهو الرمي بالنبل وغيره . القاموس المحيط ( رشق ) . ( 5 ) درأه درءا : دفعه ، والدريئة : الحلقة يتعلّم الطعن والرمي عليها وهي كل ما يستتر به حتى لا يصاب بأذى . انظر القاموس المحيط ( درأ ) . ( 6 ) المشق : سرعة في الطعن والضرب . القاموس المحيط ( مشق ) . ( 7 ) الأغر : الأبيض من كل شيء ، والغرّة بياض في الجبهة . تقول فرس أغر وغرّاء . انظر لسان العرب والقاموس المحيط وتاج العروس . مادة ( غرر ) . ( 8 ) الدهمة : السواد ، والأدهم الأسود . المصادر السابقة مادة ( دهم ) .