أحمد بن يحيى العمري

111

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار

قلت : فانظر إلى ابن سعيد مع فرط تعصّبه للمغرب وأهله ما قدرأن يدعي أنّ من المغرب أشرف البقاع ، ومدن الجنة ، فلما ذكر الأنهار الأربعة قال : وليس منها في المغرب إلّا واحد ، وهو النيل ، فما تجاوز مصر في الدعوى على كثرة ما نظر في لوح الرسم المصوّر ، وطالع الكتب الموضوعة عليه ، والمقالات المتفرعة فيه ، ولكنه ما ( تحلى بما ليس له كلابس ثوبي زور ) « 1 » ، ولا ادعى دعوى يفضحه فيها الحق ، وهذا منه غاية الإنصاف والإذعان للحق وأهله ، ولو وجد في الحق سبيلا بحق إلى سوى هذا لقاله ، فإذا لم يدع هذا للغرب مغربي لا يدعيه له مشرقي . ثم قال ابن سعيد - نقلا عن البيهقي - : إن حد المغرب من الجهة التي ذكرها بطليموس في أنّ اللّه تعالى قسم الأرض نصفين ببحر جدّة وخليج القسطنطينية ، على أن يجعل الديار المصرية أول الغرب ، وكل هذا يؤيد بعضه بعضا في إثبات الفخار للمشرق لاشتماله « 2 » على أشرف البقاع ، ومدن الجنة وأجل الأقاليم العرفية كالشام والعراقين وأذربيجان وخراسان إلى نهاية المشرق . وكلام ابن سعيد كله لمن تأمله إثبات لفضل المشرق وأهله على الغرب وأهله ، وهو الحق الذي لا يمترى فيه ، وقد قال الرئيس أبو علي بن سينا « 3 » المدن المشرقية صحيحة « 4 » جيدة الهواء ، تطلع على ساكنها الشمس في أول النهار ،

--> ( 1 ) إشارة إلى حديث النبي صلى اللّه عليه وسلم " المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور " أخرجه البخاري ، كتاب النكاح ، حديث 4818 ، برنامج الكتب التسعة ، وأخرجه أحمد ، المسند 6345 ، 346 ، ومسلم وغيرهم انظر الجامع الكبير 1 / 442 . ( 2 ) في الأصل ( لاشماله ) وما أثبته أولى . ( 3 ) أسلفت ترجمته في هامش ص 57 من هذا الجزء . ( 4 ) هكذا في الأصل ( صحيحة ) يريد بها ( صحية ) .