أحمد بن يحيى العمري

112

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار

وتصفي هواءهم ثم تنصرف عنهم وقد تصفى ، وتهبّ عليهم رياح لطيفة ، ترسلها عليهم الشمس آخر النهار ، ثم يتبعها طلوع الشمس في أول النهار الثاني وحال ( ص 33 ) خروج الشمس عنهم حال دخول الهواء إليهم فهي صحيحة لذلك ، والمدن المغربية لا توافيها الشمس إلى حين تنكب ، وكما توافيها تأخذ في القصد عنها ، لا في القرب إليها ، فلا تلطّف هواءها ، ولا تخففه ، بل تتركه رطبا غليظا ، وإن أرسلت رياحا إليهم أرسلتها ردية « 1 » ، وأرسلتها ليلا ، فتكون أحكامها أحكام البلاد الرطبة المزاج ، الغليظة المعتدلة الحرارة ، ولولا ما يعرض من كثافة الهواء لكانت تشبه طباع الربيع ، لكنها تقصر عن صحة هواء البلاد المشرقية قصورا كثيرا ، فلا يجب أن يلتفت إلى قول من قال إن قوة هذه البلاد قوة الربيع قولا مطلقا ، بل إنها بالقياس إلى البلاد التي في الأغوار جيدة ، ومن المعنى المذموم أن الشمس لا توافيهم إلا وهي مستولية على تسخين الإقليم لعلوها ، فتطلع عليهم لذلك دفعة بعد برد الليل ، والرطوبة أمزجة هوائهم تكون أصواتهم باحة ، وخصوصا في الخريف ، وتكثر في بلادهم النوازل . انتهى كلام ابن سينا . وقد ذكرنا في الفصل المتقدم ما ذكره ابن سعيد من أن المشرق أتمّ وأعمد ، وأن الجزائر بالبحر الهندي أعظم وأكبر ، وبيّنا السبب في اتساع الشرق بما اقتطعه البحر الشامي من أجل الأقاليم المعمورة ، كالثالث والرابع والخامس ، الواقع فيها معظم العمارة ووقوع البحر بالشرق في جنوبه حيث لا مبالاة به من الأول والثاني ، فتعطل في المغرب المعمور ، ولم يتعطل في الشرق إلا العاطل ، بل زاد موقع البحر هناك بالشرق عمارة للشرق وحسب ما قدمنا القول فيه لأنه رطّب هواءه ، وأيفع ماءه وزاده عمارة ، وزانه نضارة ، وأوجب به العمارة ، وراء خط الاستواء ، وعمّر الجزائر فيما هو داخل ( ص 34 ) الإقليمين اللذين أخذ فيهما ما

--> ( 1 ) هكذا في الأصل ( رديّة ) وهي لغة في ( رديئة ) .