أحمد بن يحيى العمري
100
مسالك الأبصار في ممالك الأمصار
ملجأ لهم ، فقصدوا النوبة ، فلما رأوها بلادا لا تصلح لمثلهم عدلوا إلى اليمن « 1 » . وأديان أهل هذه البلاد دين النصرانية ، وملكهم كأنه واحد من العامة ، ومن بلادهم لقمان الحكيم ، وقد ذكره البيهقيّ في " مفاخر النّوبة " ، ثم سكن مدينة أيلة « 2 » مع اليهود
--> ( 1 ) قلت : وقد سبق المؤلف إلى هذه الرواية ابن الأثير ( الكامل 11 / 386 - 387 ) ، وهي رواية لا ترى دافعا لدى الأيوبيين لقصد النوبة واليمن سوى البحث عن ملجأ لهم من نور الدين فيما لو انتزع مصر من أيديهم ، والحقيقة أن لكل من البلدين المذكورين البواعث الخاصة بغزوه ، وإن جاءت هذه البواعث لتخدم في النهاية خطة الناصر صلاح الدين الرامية إلى استكمال السيطرة على البحر الأحمر باحتلال مداخله الجنوبية بعد أن أمكن له في السنة الفائتة ( 566 ه / 1170 م ) انتزاع أيلة من الصليبيين واحتلال مداخله الشمالية ، وذلك لحماية الحرمين الشريفين وقوافل الحجاج وتأمين التجارة من الصليبيين . فأما النوبة - وكانت مملكة نصرانية آنذاك - فقد حمله على غزوها غارات النوبيين على أسوان وبلاد الصعيد ، وخشيته من أن تكون هناك صلة بين هذه الغارات وغارات الصليبيين على سواحل البحر الأحمر ، وما قد يستتبع ذلك من تهديد لقوافل الحجاج والتجارة في الأطراف المصرية الجنوبية . أما اليمن ، فقد غزاها صلاح الدين بتكليف خاص من الخليفة العباسي المستضيء وبإذن من نور الدين نفسه ، وذلك بعد استنجاد الأشراف بالمخلاف السليماني بالخليفة المذكور للقضاء على بني مهدي ، وكان شرهم قد استطار في اليمن مع فساد عقيدتهم وقبح سيرتهم ، إضافة إلى قطعهم الخطبة عن العباسيين ، انظر : ابن الأثير : الكامل 11 / 387 ( حول غزو النوبة ) ، 396 - 398 ( حول غزو اليمن ) وابن الأثير نفسه يصرح في هذا الموضع باستئذان صلاح الدين لنور الدين في غزو اليمن ! ، سبط ابن الجوزي : مرآة الزمان ج 8 ق 1 / 283 ، 299 ، ابن عبد المجيد : بهجة الزمن ، ص 127 ، ابن الديبع : قرة العيون ، ص 265 - 267 الواسعي : تاريخ اليمن ، ص 195 ، شرف الدين : اليمن ، ص 221 ، وفيه أن الشريف قاسم بن يحيى استنجد بالخليفة العاضد لدين الله الفاطمي ، وأن العاضد هو الذي أمر صلاح الدين بالتحرك إلى اليمن ، وهو وهم ، فقد قضى العاضد في 10 محرم سنة 567 ه / 13 أيلول 1171 م أي قبل انطلاق الحملة الأيوبية على اليمن بأكثر من سنتين ونصف ، العبادي : في تاريخ الأيوبيين والمماليك ، ص 48 ، 198 - 199 هذا ، ومما يجدر ذكره في هذا السياق هو أن الأيوبيين وصلوا إلى اليمن في 9 شوال سنة 569 ه أي قبل وفاة نور الدين بيومين فلو كان الأمر على ما يراه ابن الأثير ، ومن بعده مؤلفنا ، لكان من المتعين عليهم أن يعودوا إلى مصر بعد أن خلا لهم الجو بوفاة نور الدين ، ولكنا رأينا الوجود الأيوبي يتواصل في اليمن ويزداد عمقا إلى ما بعد هذا التاريخ بزمن بعيد الأمر الذي يؤكد الحضور القوي والفاعل الذي كانت تحتله اليمن في صلب السياسة الأيوبية تجاه الصليبيين . ( 2 ) أيلة : هي مدينة العقبة الأردنية ، وكانت ملتقى حجيج مصر والشام والمغرب ، انظر : ياقوت : 1 / 292 - 293 ، الحميري : ص 70 - 71 .