أحمد بن يحيى العمري
558
مسالك الأبصار في ممالك الأمصار
وهم سليمان بقتله ، فمنعه من ذلك رجاء ، ورفق به وشاغله ، وقال له : سربنا نتفرج ونبرم أمرا يكون فيه هلاك الكنيسة وغيرها ، فركبا ، وأمر سليمان أن لا يتبعهما أحد ، فلما فصلا من لد رأيا بيتا من الشعر مضروبا على ربوة من الأرض هي الآن موضع المصلى ، وكان الحر قد اشتد ، فقال له رجاء أعدل بنا إلى هذا البيت لتنظر من به ، ونريح فيه إلى أن يبرد النهار ، فقربا من البيت ، وسلما على من فيه وهما لا يريان أحدا ، فبرزت لهما منه امرأة ذات برقع ردت عليهما السلام بأحسن رد ولفظ ، وسألتهما النزول عندها بلسان فصيح وعزم صحيح ، فنزلا ، وسألتهما أن يتخففا ويستريحا عندها ، وأعجبهما فعلها ، ونسي سليمان أمر البستان إعجابا بكرمها وعقلها ، وسألاها عن اسمها فقالت : رملة وعرفتهما أن لها بعلا في ماشية اسمه لدّ ، وعرضت عليهما الغداء واللبن ، وقالت عندي اللبن الحلو واللبن الحامض والخبز الحار والخبز البارد ، لأن إيثاري يخالف إيثار بعلى في الطعام ، وأنا أعد له ما يؤثر ، وأعد لنفسي ما أشتهيه ، وقدمت لهما في كل شيء من ذلك ، وثردت لهما ، وقد ذهلا من حسنها وجمالها وأدبها وحسن فعلها في جميع ما تحاوله ، وأقسمت عليهما ليأكلان ، وقالت : لو جاز لي أن آكل معكما لفعلت ، والطعام يدعو الكرام ( المخطوط ص 286 ) إلى نفسه ، فأكلا ونظرا إلى ما حول البيت من الشجر والضياع وغير ذلك ، فاستحسنا الموضع ، وإشرافه على ما حوله من العمارة . فقال رجاء لسليمان : لو أمرت ببناء دير ها هنا للنصارى ومسجد للمسلمين ، وأمرت في النداء بالناس من أحب أن يكون في حمى من المسلمين والنصارى ، فليبن دارا إلى جنب مسجده وديره ، لصارت مدينة ، ولتعطلت الكنيسة بالدير ، وهذا الموضع أحسن من موضع لد ، وأعلى ، ففعل ذلك ، وتبادر الناس من كل أدب من المسلمين والنصارى يحيطون المنازل والقصور على قدر