ابراهيم رفعت باشا

85

مرآة الحرمين

نازل فيه بالمسلمين بظاهر مكة ، فأقام بظاهر مكة أربعة أيام يقصر الصلاة يوم الأحد والاثنين والثلاثاء والأربعاء ، فلما كان يوم الخميس ضحى توجه بمن معه من المسلمين إلى منى « 1 » فأحرم بالحج من كان أحل منهم من رجالهم ولم يدخلوا إلى المسجد فأحرموا منه بل أحرموا ومكة خلف ظهورهم ، فلما وصل إلى منّى نزل بها وصلى بها الظهر والعصر وبات بها وكان ليلة الجمعة فلما طلعت الشمس سار منها إلى عرفة وأخذ على طريق ضب « 2 » على يمين طريق الناس اليوم وكان من أصحابه الملبى ومنهم المكبر وهو يسمع ذلك ولا ينكر على هؤلاء ولا على هؤلاء ، فوجد القبة قد ضربت له بنمرة بأمره وهي قرية « 3 » شرقي عرفات وهي خراب اليوم فنزل بها حتى إذا زالت الشمس أمر بناقته القصوى « 4 » فرحلت « 5 » ، ثم سار حتى أتى بطن الوادي من أرض عرنة « 6 » فخطب الناس وهو على راحلته خطبة عظيمة قرّر فيها قواعد الإسلام وهدم فيها قواعد الشرك والجاهلية وقرّر فيها تحريم المحرمات التي اتفقت الملل على تحريمها وهي الدماء والأموال والأعراض ووضع فيها أمور الجاهلية تحت قدميه ووضع فيها ربا الجاهلية كله وأبطله وأوصاهم بالنساء خيرا وذكر الحق الذي لهنّ وعليهنّ وإن الواجب لهنّ الرزق والكسوة بالمعروف ولم يقدر ذلك بتقدير وأباح للأزواج ضربهنّ إذا أدخلن إلى بيوتهنّ من يكرهه أزواجهن ، وأوصى الأمة فيها بالاعتصام بكتاب اللّه وأخبر أنهم لن يضلوا ما داموا معتصمين به ثم أخبرهم أنهم مسؤولون عنه واستنطقهم بماذا يقولون وبماذا يشهدون فقالوا : نشهد نك قد بلغت وأديت ونصحت فرفع

--> ( 1 ) منى : هو موضع في شرقي مكة على مسيرة ساعتين وخمس وأربعين دقيقة منها وفيها الجمرات وسيأتي وصفها ورسمها في خريتة مشاعر الحج . ( 2 ) ضب : اسم الجبل الذي في أصله مسجد الخيف وطريق ضب يبتدئ من أوّل المأزمين على يمين الميمم عرفة وهو أخصر من طريق المأزمين . ( 3 ) لم نر بالتواريخ التي بأيدينا أنها قرية . ( 4 ) لقب ناقة النبي صلى اللّه عليه وسلم والقصواء في الأصل الناقة التي قطع طرف أذنها لكن لم تك ناقة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كذلك . ( 5 ) وضع عليها الرحل - تقدّم تفسيره . ( 6 ) عرنة : واد بين المزدلفة وعرفة وطوله نحو 1500 متر .