ابراهيم رفعت باشا

86

مرآة الحرمين

أصبعه إلى السماء واستشهد اللّه عليهم ثلاث مرات وأمرهم أن يبلغ شاهدهم غائبهم ، وسيأتي نص الخطبة في الكلام على حج الجاهلية ، فلما أتمها أمر بلالا فأذّن ثم أقام الصلاة فصلى الظهر ركعتين أسرّ فيهما بالقراءة وكان يوم الجمعة فدل على أن المسافر لا يصلى جمعة ، ثم أقام فصلى العصر ركعتين أيضا ومعه أهل مكة وصلوا بصلاته قصرا وجمعا بلا ريب ، ولم يأمرهم بالإتمام ولا بترك الجمع ومن قال : إنه قال لهم : أتموا صلاتكم فإنا قوم سفر فقد غلط فيه غلطا بينا ووهم وهما قبيحا وإنما قال لهم ذلك في غزاة الفتح بجوف مكة حيث كانوا في ديارهم مقيمين ولهذا كان أصح أقوال العلماء : أن أهل مكة يقصرون ويجمعون بعرفة كما فعلوا مع النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وفي هذا أوضح دليل على أن سفر القصر لا يتحدد بمسافة معلومة ولا بأيام معلومة ولا تأثير للنسك في قصر الصلاة البتة ، وإنما التأثير لما جعله اللّه سببا وهو السفر هذا مقتضى السنة ولا وجه لما ذهب اليه المحدّدون . فلما فرغ من صلاته ركب حتى أتى الموقف فوقف في ذيل الجبل عند الصخرات « 1 » واستقبل القبلة وجعل جبل المشاة بين يديه وكان على بعيره فأخذ في الدعاء والتضرّع والابتهال إلى غروب الشمس ، وأمر الناس أن يرفعوا عن بطن عرنة وأخبر أن عرفة لا تختص بموقفه ذلك بل قال : وقفت هاهنا وعرفة كلها موقف وأرسل إلى الناس أن يكونوا على مشاعرهم « 2 » ويقفوا بها فإنها من إرث أبيهم إبراهيم . وكذلك هناك أقبل ناس من أهل نجد فسألوه عن الحج فقال : الحج يوم عرفة من أدرك قبل صلاة الصبح فقد أدرك الحج . أيام منى ثلاثة أيام التشريق فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقى وكان في دعائه رافعا يده إلى صدره كاستطعام المسكين وأخبرهم أن خير الدعاء دعاء يوم عرفة وذكر من دعائه صلى اللّه عليه وسلم في الموقف : اللهم : لك الحمد كالذي نقول وخيرا مما نقول اللهم : لك صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي وإليك مآبي

--> ( 1 ) انظر : رسم جبل عرفات . ( 2 ) جمع مشعر وهو موضع الشعيرة وهي كل ما جعل علما لطاعة اللّه تعالى .