ابراهيم رفعت باشا
315
مرآة الحرمين
وعمرو هذا هو الذي غير تلبية إبراهيم ، فبينما هو يسير على راحلته في بعض مواسم الحج وهو يلبى إذ تمثل له إبليس في صورة شيخ نجدى على بعير أصهب فسايره ساعة ثم لبى إبليس فقال : لبيك اللهم لبيك ، فقال عمرو بن لحى مثل ذلك ، فقال إبليس : لبيك لا شريك لك ، فقال عمرو مثله ، فقال إبليس : إلا شريك هو لك ، فاستنكر ذلك عمرو ، فقال إبليس : بعده ما يصلحه : إلا شريك هو لك تملكه وما ملك ، فقال عمرو : ما أرى بهذا بأسا فما زالت كذلك حتى ردّها الإسلام إلى ما كانت عليه في شريعة إبراهيم « لبيك اللهم لبيك . لبيك لا شريك لك لبيك . أن الحمد والنعمة لك والملك . لا شريك لك » . ومن عادة العرب في جاهليتهم - كما حكاه الفاكهي - أن الصبية إذا بلغت ألبسها أهلها من الثياب أحسن ما يجدون وجعلوا عليها من الحلى ما يقدرون ودخلوا بها المسجد الحرام سافرة الوجه فتطوف بالبيت والأبصار ترنو إليها والناس يتساءلون من هذه فإن كانت حرّة قالوا : فلانة بنت فلان ، وإن كانت مولدة قالوا : مولدة فلان قد بلغت أن تخدر في بيتها وأراد أهلها أن تستكن في كنها فإذا قضت طوافها خرجت تشيعها الأبصار العفيفة ، فإذ ذاك يرغب الناس في نكاحها إن كانت من الحرائر وفي شرائها إن كانت من الإماء ، وبعد أن تصل إلى بيتها تحتجب فيه فلا تخرج منه إلا إلى بيت زوجها أو إلى حظيرة سيدها فكانوا يعطون للخطيب فرصة يتعرّف فيها جمال المخطوبة وجعلوا ذلك في جوار البيت ليأمنوا النظرات الخبيثة . وكانت الإفاضة في الجاهلية إلى صوفة أخزم بن العاص ، وكان له ولد تصدّق به على الكعبة يخدمها فجعل اليه حبشية بن سلول الخزاعي الإفاضة بالناس من أجل نذره الذي نذر ، وكان إلى حبشية حجابة الكعبة وإمرة مكة فحينما يقف الناس في الموقف يقول حبشية : أجز يا صوفة فيقول صوفة أجيزوا أيها الناس فيجوزون ، وولى الإفاضة بعده ولده أخزم الذي نذره للكعبة وقام بخدمتها مع أخواله من جرهم وأعقب أخزم على الإفاضة ولده من بعده في زمن جرهم وخزاعة حتى انقرضوا ، ثم صارت الإفاضة في عدوان بن عمرو بن قيس بن غيلان بن مضر في زمن قريش