ابراهيم رفعت باشا

313

مرآة الحرمين

التروية ، وسموه بذلك لأنه ينادى بعضهم بعضا بذى المجاز أن ترووا من الماء لأنه لا ماء بعرفة ولا بالمزدلفة ، وكان يحضر هذه المواسم من يبتغى مع الحج التجارة ، أما من أراده فحسب فيخرج متى شاء . وكان أهل مكة يخرجون يوم التروية بعد أن يترووا من الماء فتنزل الحمس في طرف الحرم من نمرة يوم عرفة ، والحلة تقف بعرفة وكذلك كان يفعل النبىّ صلى اللّه عليه وسلم قبل الهجرة بترك الحمس إلى الحلة ، وكانوا لا يتبايعون يوم عرفة ولا أيام منى ، فلما أن جاءت الحنيفية أحلت ذلك قال تعالى ( لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ ) وكانت الحلة تفيض من عرفة يوم عرفة إذا طفلت « 1 » الشمس للغروب والحمس يفيضون من نمرة في الوقت نفسه فيلتقون جميعا في المزدلفة ويبيتون بها حتى إذا طلع الفجر واختلط بياض النهار بظلام الليل وقف الجميع على قزح حتى تطلع الشمس على رؤوس الجبال كأنها عمائم الرجال ، فيدفعوا من المزدلفة إلى منى وكانوا يقولون أشرق ثبير كيما نغير وفي إفاضة الحمس نزل قوله تعالى ( ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) فجعلت الإفاضة للجميع من عرفة وخطب بذلك النبي صلى اللّه عليه وسلم في حجة الوداع يوم عرفة فكان مما قال : وإنا لا ندفع من عرفة حتى تغرب الشمس ويحل فطر الصائم وندفع من مزدلفة غدا إن شاء اللّه قبل طلوع الشمس ، هدينا مخالف لهدى أهل الشرك والأوثان . وكان أهل الجاهلية يرون أن من أفجر الفجور العمرة في أشهر الحج ويقولون إذا برأ الدبر « 2 » وعفى « 3 » الوبر ودخل صفر حلت العمرة لمن اعتمر ، يعنون دبر الإبل التي حجوا عليها ووبرها فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في الاسلام : دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة ، واعتمر عمرة كلها في ذي القعدة عمرة الحديبية وعمرة القضاء وعمرة من الجعرانة . وكانوا يعظمون الحرم والأشهر الحرم فلا يعدو بعضهم على بعض فيها ويلقى الرجل قاتل أخيه وأبيه فلا يتعرّض له بسوء ، وكان الرجل إذا أحدث الحدث

--> ( 1 ) طفلت الشمس : تغير لونها . ( 2 ) الدبر : جمع دبرة وهي قرحة الدابة . ( 3 ) عفى : كثر .