ابراهيم رفعت باشا

201

مرآة الحرمين

سكان مكة - قال تعالى وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً « 1 » لِلنَّاسِ وَأَمْناً وقال سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَالْبادِ « 2 » لهذا هرع المسلمون من أقطارهم المختلفة إلى الإقامة بمكة المكرمة احتماء بحرم اللّه وابتغاء لفضل اللّه ورضوانه وقصد التجارة للدنيا والآخرة وذلك من يوم أن انشر الاسلام في أطراف المعمورة إلى يومنا هذا . وقد كان من أثر ذلك أن كان المكيون من أجناس مختلفة وأمم متباينة ؛ فمنهم المكىّ الصميم ، ومنهم أعراب البوادي الذين توطنوا مكة يمنيين وحضرميين وحجازيين ونجديين ، ومنهم الهنود والجاوة والبخاريون والأفغان والأعجام والشوام والأتراك والمصريون والسودانيون والمغاربة وكثير غيرهم من الأمم الاسلامية ، ولما كان للغربة والهجرة أثر كبير في الجدّ والنشاط كان معظم التجارة بأيدي الأغراب ، فالأشياء الثمينة والبيوت التجارية العظيمة بأيدي أولئك . قال صديقنا الفاضل لبيب بك البتانونى في رحلته : ومن اختلاط هذه الأجناس بعضهم ببعض بالمصاهرة أو المعاشرة صار سواد أهل مكة خليطا في خلقهم وخلقهم فتراهم قد جمعوا إلى طبائعهم وداعة الأناضولى وعظمة التركي واستكانة الجاوي وكبرياء الفارسي ولين المصري وصلابة الشركسى وسكون الصيني وحدّة المغربي وبساطة الهندي ومكر اليمنى وحركة السورى وكسل الزنجي ولون الحبشي ، بل تراهم جمعوا بين رقة الحضارة وقشف البداوة ، فبينا ترى الرجل منهم قد آنسك برقة حديثه معك وضعته بين يديك إذ هو قد استوحش منك وأغلظ في كلامه حتى كأن طبيعة البداوة تغلبت فيه على طبيعة الحضارة فلم يطق ما تكلفه في حضرتك . وقد وصل هذا الخلط إلى أزيائهم التي تراها مجموعة مختلطة من أزياء البلاد الاسلامية : عمامة هندية وقفطان مصرى وجبة شامية ومنطقة تركية فيها خنجر تراه على الخصوص في حزام الأشراف مفضضا أو مذهبا بشكل جميل جدا ، وكثيرا

--> ( 1 ) مكانا يثوب الناس إليه ويرجعون . ( 2 ) المقيم والطارئ .