ابراهيم رفعت باشا
197
مرآة الحرمين
الرفيق باشا فتحقق بذلك المثل خ خ الجزاء من جنس العمل وذلك أن والى مكة العادل المشير عثمان نوري باشا « 1 » كان قد أنشأ بالقرب من معسكر المحمل بستانا بهجة للناظرين فيه من الأشجار أجملها ومن الثمار أطيبها وأباحه لأهل مكة يتنزهون فيه ويستظلون بوارف ظله ، وكان أوّل ما أنشئ بمكة من متنزهات ، فما كان من الشريف إلا أن سعى به لدى الخليفة فعزله ، وأمر بإزالة البستان الذي أنشأه وأنفق عليه آلاف الجنيهات . تأثير السيول في مباني مكة - إن مكة في واد تحف به الجبال فإذا هطلت الأمطار بشدّة تجمعت في الأودية بسرعة وهرعت إلى مكة فكوّنت في كثير من أماكنها بحيرات ترى البيوت فيها أشبه بالجزر ، وإذا علمت أن المسجد الحرام وطئ عن الشوارع بنحو ثلاثة أمتار أدركت أنه عند طغيان السيول يتحوّل إلى بحيرة بعيدة الغور ، لذلك تنبغى العناية بتأسيس البيوت حتى لا يجرفها السيل أو يأتي عليها من قواعدها ، وللسيول بمكة حوادث غريبة دعتنا إلى أن نسطر لك بعضها . ففي زمن جرهم أيام كانوا ولاة البيت جاء سيل جارف هدم الكعبة فبنته جرهم على قواعد إسماعيل ، وكان الباني رجلا أزديا يدعى أبا الجارود .
--> ( 1 ) ولى أمر الحجاز لأوّل مرة سنة 1299 ه . وهو رجل ذكى شهم سياسي تحيل في القبض على الشريف عبد المطلب الذي هم بالخروج على الدولة فعزلته من إمارة مكة وولت مكانه عون الرفيق باشا وقد وشى هذا بعثمان نوري باشا لما أن غل يده عن المكوس والمظالم التي كان يتقاضاها من العربان والحجاج ، فعزل بالوشاية بعد خمس سنوات وعين واليا على اليمن ثم أعيد إلى ولاية الحجاز وقد أصلح مجرى عين زبيدة وعمل فيها صنابير ( حنفيات أو بازانات ) وهو الذي أنشأ ديوان الحميدية ودار البريد والثكنات العسكرية بمكة وجدّة وأنشأ سور ينبع ، وقد إنشاء الحديقة المذكورة في ولايته الثانية ولم يكن موضعها مقبرة وإنما كان فضاء واسعا ، ولما امتلأت نفس عون منه خرج إلى المدينة في جمع من علماء مكة وأشرافها وضم إليه علماء المدينة وأشرافها وكتبوا إلى السلطان يطعنون في الوالي وأنه يكره الأشراف ويسبهم ويهينهم ويحتقرهم وإنه حوّل مقبرة المسلمين إلى متنزه ، فما كان من السلطان إلا أن عزل العادل المصلح ، وكان خليقا بأمير المؤمنين أن يتبين في قول الشريف كما أمر اللّه في كتابه وأن لا يحكم على متهم إلا بعد استجوابه واستماع قوله . ( أنظر الوالي في الرسم 73 )