ابراهيم رفعت باشا

141

مرآة الحرمين

قال اللّه تعالى في البدن التي تنحر للنسك فَإِذا وَجَبَتْ جُنُوبُها فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْقانِعَ وَالْمُعْتَرَّ وقال في ذبائح النسك عامة لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها وَلا دِماؤُها وَلكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنْكُمْ . جملة القول في حكمة الحج والاعتبار به اعلم أيها الحاج أن ما ورد في الحديث الصحيح من أن الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة ، وأن « من حج ولم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه » سببه أن الحج إذا أدى كما يحب اللّه تعالى يقوى الإيمان ويزكى النفس ويطهرها حتى يظهر أثر ذلك في الأخلاق والمعاملات مع اللّه والناس . فإذا أردت أن يكون حجك مبرورا فعليك أوّلا أن تتوب إلى اللّه تعالى توبة صادقة وأن يكون حجك لوجه اللّه وابتغاء مرضاته بامتثال أمره وتحقيق حكمة شرعه في النسك وغيره . وذلك بأن تعلم أنك بحج بيت اللّه تعالى مقبل على اللّه تعالى مع إخوانك المؤمنين كما تقبلون عليه في الآخرة ، وتذكر أن ثياب الإحرام كأكفان الموتى ، وأن المحرمين يتساوى كبيرهم وصغيرهم وأميرهم ومأمورهم في الزىّ وترك ما هو غير ضروري للحياة من نعيم الدنيا ومميزاتها ومفاخرها وأثاثها ورياشها وزينتها وطيبها وفي أداء المناسك كلها ولا سيما الوقوف بعرفات الذي يشبه الوقوف بين يدي اللّه تعالى يوم القيامة . فتدبر هذه المعاني وتذكر أنك بين يدي اللّه تعالى وأنه يسمع تلبيتك التي سمعت معناها ، فاجتهد أن تكون صادقا فيها وتدبر معناها ومعاني سائر الأذكار والدعوات ، وتذكر عند تقلبك في المناسك نشأة الدين الأولى في عهد سيدنا إبراهيم وعهد ولده سيدنا محمد وهما أفضل الرسل عليهما الصلاة والسلام وعلى سائر رسل اللّه تعالى . وأنك تطوف حيث طافا وتسعى حيث سعيا وتقف حيث وقفا وتذكر اللّه وتدعوه حيث ذكرا ودعوا ، ولكنهما تحملا من العناء والبلاء في إقامة دين اللّه في تلك البلاد ما لا تتحمل شيئا منه .