الشيخ ذبيح الله المحلاتي

121

مآثر الكبراء تاريخ سامراء

وإمساكه بالخبل ، ولم يكن أحد ممّن سلف من خلفاء بني العبّاس ظهر في مجلسه اللعب والمضاحك والهزل ممّا قد استفاض في الناس وجوب تركه إلّا المتوكّل فإنّه السابق إلى ذلك والمحدث له ، وأحدث أشياء من نوع ما ذكر فتبعه فيها الأغلب من خواصّه وأكثر رعيّته ، ولم يكن في وزرائه والمتقدّمين من كتّابه وقوّاده ومن يوصف بجود والإفضال أو يتعالى عن مجون وطرب ، وكان الفتح بن الخاقان التركي أغلب الناس عليه وأقربهم منه وأكثرهم تقدّما عنده ولم يكن الفتح مع هذه المنزلة من الخلافة ممّن يرجى فضله ويخاف شرّه ، وكان له نصيب من العلم ومنزلة من الأدب ، وألّف كتابا في الأدب ترجمه بكتاب البستان . قال المسعودي : ذكر محمّد بن أبي عون قال : حضرت مجلس المتوكّل في يوم نيروز وعنده محمّد بن عبد اللّه بن طاهر وبين يديه الخليع الشاعر ، فغمز المتوكّل خادما على رأسه حسن الصورة أن يسقي الخليع كأسا ويحيّه بتفّاحة عنبر ، ففعل ذلك ثمّ التفت المتوكّل إلى الخليع فقال : قل فيه أبياتا ، فأنشأ يقول : وكالدرّة البيضاء حيّا بعنبر * من الورد يسعى في قراطيس كالورد له عبثات عند كلّ تحيّة * بعينيه تستدعى الحليّ إلى الوجد تمنّيت أن أسقي بعينيه شربة * تذكّرني ما قد نسيت من العهد سقى اللّه دهرا لم أبت فيه ساعة * من الليل إلّا من يجيب على وعد قال المتوكّل : أحسنت ، واللّه يعطى لكلّ بيت مائة دينار . فقال محمّد بن عبد اللّه : ولقد أجاد فأسرع ، وذكر فأوجع ، ولولا أنّ يد أمير المؤمنين لا تطاولها يد لأجزلت له العطاء ولو بالطارف والتالد . فقال المتوكّل عند ذلك : يعطى لكلّ بيت ألف دينار . قال : وقد قيل : إنّه لم تكن النفقات في عصر من الأعصار ولا وقت من الأوقات مثلها في أيّام المتوكّل . ويقال : إنّه أنفق على الهاروني والجوسق والجعفري أكثر من