حيدر أحمد الشهابي

38

لبنان في عهد الأمراء الشهابين

رآه من الاجتماع والاشتغال به ظن أنه ينال الفرصة إذا دهم الأمير ملحم على غفله . فنهض من دمشق مسرعا بمرحله واحده إلى صحراء برّ الياس قاصدا قتاله على حين غفلة قبل ان يجمع جيشه . وكان الأمير ملحم متيقظا فاطنا لما في نفسه ومتحققا نهوضه اليه . فبادر مسرعا لجمع الرجال من الديار ونهض من قرية الباروك . بجحفل جرار . فنزل المغيته في اليوم الذي قدم فيه أسعد باشا إلى برّ الياس . وكان وصول الوزير إليها ليلا فلما بلغها رأى نيران جيش الأمير ملحم من المغيثه تلوح . فعلم أنه حذر متيقظ . فترك ما كان عزم عليه من المفاجاه ونزل فيها . وأقام ثلاثة أيام وفي اليوم الرابع تشدد عزم الأمير ملحم وتكاملت جيوشه . فحشد على الوزير إلى برّ الياس . ونازله للقتال باشد همة وباس . فتارت عساكر الوزير للقتال . وتداعوا للنزال . واصطف الفريقان للبراز عند اشراق الشمس . وخطب بينهم البارود بذكر الموت والرمس . وطلعت الحرب برحاها تدور . وطلبت من [ 458 ] الشجعان المواعيد والنذور . وحمى الوطيس واشتعل . وتقدم كل فارس وحمل . فتسربلت الآفاق بثوب القتام . وأيقنت الناس برجوع الظلام . واختلط اللبنانيون . ونشرت غيوم البارود سربالا . وأمطرت عليهم من الرصاص سجالا . وسد الخافقين العجاج وكثر الهياج . ووقع الارتجاج . ودام القتال بين الفريقين إلى أن هجم جيش الظهيرة . واستولى على القوم الوجل والحيرة . فعندها حمل الأمير ملحم في أوايل جيشه وكر . وتبعه باقي ذلك العسكر . فانكسرت عند حملته جموع الوزير . وانفضوا مدبرين بغاية الذل والتقصير . فتبعهم الأمير ملحم بفرسانه وأوسع فيهم القتل والسلب من محل القتال إلى سهل الجديدة . فأهلك منهم خلقا كثيرا . وغنم أصحابه مالا وافرا . ثم كرّ راجعا إلى البقاع . فحرق قراها . ونهب ما فيها وسباها . ورجع بعد ذلك إلى دياره وعليه من النصر علامات . وبين يديه من السعادات رايات . فعلت همته . وعظمت هيبته . ودخل أسعد باشا إلى دمشق مكسور العزيمة موشحا من الذل ثوب الهمة الذميمة . ولم يستقر قليلا حتى نهض بالحاج الشريف . وبعد مسيره إلى الحاج وجه الأمير ملحم جيشا إلى ديار بعلبك فنهبها . وأزاح عنها واليها الأمير حيدر الحرفوش . لأنه كان مع عساكر أسعد باشا حين القتال . ولذلك أغار عليه الجيش وازاحه من ولاية بعلبك . وولّى مكانه أخاه الأمير حسين الحرفوش . لأنه كان [ حليفا ] للأمير ملحم . وحضر معه الموقعه المذكورة . ولما رجع أسعد باشا من الحاج وبلغه ما فعله الأمير ملحم في ديار بعلبك . زاد به الغيظ والوعك . واهتم لجمع العساكر ليقابل