سليمان الدخيل
88
كتاب الفوز بالمراد في تاريخ بغداد
فيؤدون أغانيهم . وقد يكون النديم مغنيا في نفس الوقت مثل إسحاق بن إبراهيم الموصلي . وصناعة الغناء هي تلحين الأشعار والموزونة بتقطيع الأصوات علي نسب منتظمة معروفة يوقع كل صوت منها توقيعا عند قطعة ، فيكون نغمه ثم تؤلف تلك النغم بعضها إلى بعض على نسب متعارفة فيلذ سماعها لأجل ذلك التناسب ، وما يحدث عنه من الكيفية في تلك الأصوات . انتشر الغناء في بغداد في العصر العباسي الأول ، وأقبل أهل بغداد عليه - على اختلاف مستوياتهم - بشغف شديد ، وزاد من شغف الناس به ، إقبال الكثير من الطرب واللهو من بلاد الإسلام على بغداد . وإقامتهم بها ، وعرض فنهم فيها ، وكان بعض الخلفاء في العصر العباسي الأول يتحرج من الظهور للمغنين ، فلما ولى المنصور الخلافة شغل بإقرار الأمور في دولته ، والقضاء على أعدائها ، لذلك لم يكن له في اللهو والطرب مجال ، ولم ير في دار المنصور لهو ولا غناء ، ولم يظهر لنديم قط . وكان بينه وبين الستارة عشرون ذراعا ، وبين الستارة والندماء مثلها « 1 » . أما المهدى فكان في أول الأمر لا يحتجب عن الندماء ، تشبهها بأبيه المنصور ، وظل على ذلك نحوا من سنة ، ثم ظهر لهم فأشار عليه أحد خاصته بأن يحتجب عنهم تشبها بأبيه فرفض وقال . إنما اللذة في مشاهدة السرور ، وفي الدنو ممن سرني . وكان محبا للنمادمة لا يترك جليسه إلا عن ضرورة « 2 » ومن أشهر ندمائه مروان ابن أبي حفصة ، كان يأتي باب المهدى على برذون قيمته عشرة آلاف دينار والسرج واللجام المزينين ، ولباسه الخز والوشى ورائحة المسك والطيب تفوح منه « 3 » . والحقيقة أن المهدى شجع أهل بغداد على الإقبال على الغناء واللهو ، إلا أنه رفض أن يتجاوزوا باللهو حدود ما أمر به اللّه ، ولكن الأمور سارت على غير
--> ( 1 ) مقدمة ابن خلدون ص 423 . ( 2 ) المصدر السابق ص 34 - 35 . ( 3 ) الأصفهاني : الأغانى ج 10 ص 77 .