سليمان الدخيل

89

كتاب الفوز بالمراد في تاريخ بغداد

ما رسمه ، فقد شاع شعر بشار بن برد في عهد المهدى بما فيه من مجون وعبث وغزل مكشوف حتى ضج رجال بغداد من شعره ، وشكوا إلى المهدى لأنهم خافوا على نسائهم وبناتهم ، فتدخل المهدى ونهى بشار عن الغزل بالنساء « 1 » . وكان الهادي يستمع إلى الغناء ويجزل عليه العطاء « 2 » . أما الرشيد فقد شغف بمجالس الطرب والغناء ، ولم يجتمع على باب خليفة من العلماء والشعراء والفقهاء والقراء والقضاة والكتاب والندماء والمغنيين ما اجتمع على باب الرشيد ، وكان يصل كل واحد منهم بأجزل صلة ، ويرفعه إلا أعلى مرتبه ، وكان فاضلا شاعرا راوية للأخبار والآثار والأشعار « 2 » وكثيرا ما يتلثم فيحضر مجالس العلماء وهو لا يعرف ، ولقد قسم الأيام والليالي قليلة للوزراء يذاكرهم أمور الناس ، ويشاورهم في أمور الدولة الداخلية والخارجية ، وليلة الكتاب يتفقد أعمالهم ، ويرتب الناس ما ظهر من صلاح أحوال المسلمين وليلة للقواد أمراء الأجناد يذاكرهم أمر الأمصار ويسألهم عن الاخبار ، ويذاكرهم العلم ويدارسهم الفقه - وكان من أعلمهم - وليلة للقراء والعباد يتصفح وجوههم . ويتعظ برؤيتهم ، ويستمع لمواعظهم ، ويرفق قلبه لكلامهم ، وليلة لأهل بيته يأنس بهم وباشرهم ، وليلة يخلو فيها بنفسه لا يعلم أحد قرب أو بعد ما يصنع ، ولا يشك أحد أنه يخلو فيها بربه يسأله خلاص نفسه وفكاك رقه « 3 » . وجعل الرشيد للمغنين مراتب وطبقات ، فكان إبراهيم الموصلي وابن جامع وزلزل في الطبقة الأولى ، والطبقة الثانية سليم بن سلام وعمرو الغزال ، والطبقة الثالثة أصحاب المعازف والطنايبر وعلى قدر ذلك كانت تخرج جوائزهم وصلاتهم ، وإذا أجاد أحد المغنين والموسيقيين الأداء أمر الخليفة بترقيته إلى المرتبة التي تعلو مرتبته فرقى الرشيد برصوما الزامر من الطبقة الثانية إلى الطبقة الأولى بعد أن أطرب الرشيد « 4 » .

--> ( 1 ) أحمد أمين : ضحى الإسلام ج 1 ص 111 . ( 2 ) الجاحظ : التاج ص 35 . ( 3 ) ابن قتيبة : الإمامة والسياسة ج 1 ص 297 . ( 4 ) الجاحظ : التاج ص 41 .