سليمان الدخيل
85
كتاب الفوز بالمراد في تاريخ بغداد
الأمراء ورجال الدولة لوداع الخليفة ، أوصاهم بالسهر على الرعية ثم نفخ في البوق إيذانا بالنفير ، وزحف الحجيج وفي مقدمتهم هودج الخليفة « 1 » . ويصف لنا ابن قتيبة « 2 » أحد مواكب الرشيد في رحلة الحج فيقول : لما أعتزم الرشيد الحج أمر بتمهيد طريق ، الحج ، وذلك بإزالة العوائق من الطريق ، ولذلك حولت بعض القنوات - التي تعترض الطريق - عن مجراها ، وأزيلت المرتفعات والآكام التي تعرقل الطريق ، وردمت الخنادق ، حتى صار الطريق من بغداد إلى مكة المكرمة ممهدا وأمر بعمل محطات في الطريق تبعد الواحدة عن الأخرى مسافة أثنى عشر ميلا ، وفي كل محطة دار فرشت بالبسط الفاخرة ، ونصبت لها جدار بالستور وسمكها بأكسية الخز الرفيع الملون ، وعلى كل فرسخ من الطريق أقيمت قبة مفروشة ، وقد أحاط بها الأشجار التي تظللها ، وأقيمت الرواقات الكثيفة بها أنواع الطعام والشراب والفاكهة ، فكان يمشى ثلاثة أميال ثم ينزل في قبة أمامها رواق فينال راحته ، ويصيب ما اشتهى من ألوان الطعام ، واقفه في طريقه الوزراء والقواد وأمراء الأجناد والأعلام والفقهاء والعساكر قد صاروا منه بمعزل يحاذونه في طريقه إذا نزل وكان في تواقفه يتابع أمور دولته ، فيأتيه البريد بأخبار الأمصار والبلدان . ويصدر أوامره وتعليماته إلى بلدان دولته . لم تقتصر مواكب الخلفاء على الخروج للصلاة أو الحج . وإنما اشتملت أيضا رحلات الخليفة إلى الصيد . فحينما كان يخرج الخليفة المهدى للصيد يحاط بفرسان من الحرس متقلدين سيوفهم ، يتبعهم عدد من الجند وطائفة من الغلمان « 3 » . وكانت نساء الخلفاء يتنقلن في مواكب خاصة بهن ، فالخيزران - أم الهادي والرشيد - كانت تنقل في موكب عظيم من الغلمان المزينة ، والخيل عليها كسوة من الديباج والحلية الثقيلة من الفضة « 4 » .
--> ( 1 ) المدور : حضارة الإسلام في دار السلام ص 53 - 55 . ( 2 ) الإمامة والسياسة ص 223 . ( 3 ) Gohn Glubb the Empire of the Arabs p . 264 . ( 4 ) المدور : حضارة الإسلام في دار السلام ص 22 .