سليمان الدخيل
59
كتاب الفوز بالمراد في تاريخ بغداد
هذا الرجل نفوذه في الرفع من شأن العرب وإبعاد الضرو الأذى عنهم فالأفشين - قائد جيش المعتصم - كان يكره العرب ويقول : إذا ظفرت بالعرب شدقت رؤوس عظمائهم بالدبوس وظهرت نواياه الانتقامية ضد أبى دلف - أحد القواد العرب سيد قومه كريما شجاعا شاعرا « 1 » وهم الأفشين بقتله . فأسرع ابن أبي دؤاد إلى الأفشين ، وأنقذ الزعيم العربي « 2 » وشجع هذا أهل العلم والأدب فالتفوا حوله وأغدق عليهم ، ووقف ببابه الشعراء مثل أبى تمام ، وقرب إليه الجاحظ . ولم يستسلم العرب لميل العتصم إلى الترك فنسمع عن كثير من البارزين منهم يطلبون من المعتصم رعاية أصحاب الحاجات من العرب الهاشميين والأنصار « 3 » . ومهما يكن من أمر فقد كانت الحياة الاجتماعية في بغداد عربية في روحها وساهم العرب بدور رئيسى في توجيهها ، فسادت تقاليد العرب وعاداتهم وأساليب حياتهم على نمط المعيشة في بغداد ، فالدين الإسلامي الذي حمل لواءه العرب . وبشروا به في العراق ، كما بشروا به في غير العراق ، كان من الطبيعي أن يحدد الأسس الاجتماعية لحياة الناس ، كما هو الحال في المعاملات الشخصية والقضاء واتخاذ الجواري والغلمان وبناء المساجد ، وغير ذلك من الحدود التي رسمها الشرع ، وظهر أثر الدين في تعدد المذاهب الفقهية ، فقد شهدت بغداد أئمة المذاهب الرئيسية ، كما أن اللغة العربية - لغة القرآن - واللغة الرسمية للدولة - لها أثرها في تأكيد مركز العرب ، ونبغ من العرب في بغداد في العصر العباسي الأول كثيرون في علوم الدين واللغة . على كل حال ظل مركز العرب مرموقا في بغداد بصفة عامة في العصر العباسي الأول ، فمنهم الخليفة وأمراء البيت الحاكم وسائر بني هاشم ، والعرب لهم مركزهم أمام العناصر الأخرى فهم الذين مصروا الأمصار ، ويذلوا أموالهم ودماءهم في سبيل رفع راية الإسلام .
--> ( 1 ) المسعودي : مروج الذهب ج 2 ص 372 . ( 2 ) التنوخي : الفرج بعد الشدة ج 2 ص 68 . ( 3 ) المسعودي : مروج الذهب ج 2 ص 370 .