سليمان الدخيل

58

كتاب الفوز بالمراد في تاريخ بغداد

الناس في خلق القرآن ، وبلغ من تقدير المأمون له أن أوصى المعتصم به بقوله : لا يفارقك الشركة في المشورة في كل أمرك فإنه موضع ذلك « 1 » . عول العرب على استرداد نفوذهم في بغداد بعد وفاة المأمون وتولية المعتصم ، فالتفوا حول العباس بن المأمون معتزمين توليته الخلافة بدلا من المعتصم الذي يميل إلى الترك ، ولكن هذه المحاولة باءت الفشل ، وتولى المعتصم الخلافة « 2 » ، وجرت على العرب نقمة المعتصم في كراهيته ، وأهمل أمرهم ، واستعان بالترك في أمور دولته ، ورفع شأنهم ، لكن العرب لم يرضخوا لما حل بهم من ضعف ووهن ، بل تآمروا على المعتصم ، وتزعم هذه الحركة العباس بن المأمون ، وحاول العرب تنفيذ هذه المؤامرة أثناء غزو الخليفة لعمورية ، وكان المعتصم قد أظهر انحيازا واضحا ضد العرب فحين وجه عجيف بن عنبسة إلى بلاد الروم ، لم يطلق يد هذا العربي في النفقات كما أطلق يد الأفشين ، بل أستصفى المعتصم من شأن عجيف ، واستبان ذلك لعجيف ، فحرص العباس بن المأمون على التآمر ضد المعتصم ، والسعي بمساعدة العرب على التخلص من الخليفة وتولية العباسي ، وبينما المعتصم يتجه بجيشه إلى عموريه ، حاول العرب التنكيل ، بقادة الترك ، ولكن المؤامرة باءت بالفشل ، ونكل الخليفة بالمتآمرين ، ويقول المؤرخون إن ذلك أدى إلى إمعان المعتصم في الاعتماد على الترك ، وأبعاد العرب ، وحذفهم من الديوان « 3 » ، فضعفت فيهم الروح العسكرية . إلا أننا نلاحظ أن هذا القول فيه بعض المبالغة ، إذ ظهرت شخصيات كبيرة في عهده لعبت دورا كبيرا في سياسة الدولة فأحمد بن أبي دؤاد ، ولاه المعتصم منصب قاضى القضاة في الدولة ، وبلغ من تقدير المعتصم له أن قال : هذا واللّه الذي يتزين بمثله ، ويبتهج بقربة ، ويعتز به ألوف من جنسه ، ولما مرض نذر المعتصم إن شافاه اللّه من مرضه بأن يتصدق بعشرة آلاف دينار « 4 » . ولقد استغل

--> ( 1 ) الخطيب البغدادي : تاريخ بغداد ج 4 ص 142 . ( 2 ) ابن الأثير : الكامل في التاريخ حوادث سنة 218 ه . ( 3 ) Muir : The caliphate . p . 54 . ( 4 ) ابن خلكان : وفيات الأعيان ج 1 ص 31 .