سليمان الدخيل
133
كتاب الفوز بالمراد في تاريخ بغداد
الصحيحة ، ولا يوافق المفسرون من أصحاب الرأي لأنهم يخطئون كثيرا . وظهر في تفسيره ثقافته الدينية واللغوية والتاريخية ، ويتضح من كتاباته معرفته لآراء المتكلمين وخاصة المعتزلة ، وتأثر بمذهب المحدثين في الكلام عن القدر ، وكان يتحرى الدقة في الإسناد جريا على طريقة العلماء المعاصرين ، وحرص على الأخذ بروايات رجال موثوق بهم ، ونقد من لم يثق به « 1 » . أما أصحاب التفسير بالرأي ، فكانوا يحكمون العقل ويرفضون الخرافات والتصورات المخالفة لطبيعة الأشياء ، التي تأثر بها كثير من الناس ، ومن أشهر هذه التفاسير تفسير أبى بكر الأصم المتوفى سنة 240 ه « 2 » . اشتد الحاجة إلى الفقه في العصر العباسي الأول . لأنه ينظم المعاملات ويضع التشريعات التي تنظم حياة الأفراد وعلاقاتهم بعضهم ببعض من ناحية وعلاقاتهم بالدولة من ناحية أخرى ، فضلا عن أنه يوضح التعليم التي يجب أن يتبعها الناس في شؤون دينهم ، وعنى الخليفة الرشيد بالفقه ، فعهد إلى القاضي أبى يوسف أن يضع له كتابا في التنظيمات الاقتصادية والاجتماعية لدولته ، لإزالة ماساد في عهد الأمويين من الأخذ بالرأي ، فصنف كتاب الخراج ، ويقول أبو يوسف في مقدمة كتابه أن أمير المؤمنين أيده اللّه تعالى سألني أن أضع كتابا جامعا يعمل به في جباية الخراج ، والعشور والصدقات والجوالى وغير ذلك مما يجب عليه النظر فيه ، والعمل به ، وإنما أراد بذلك رفع الظلم عن رعيته والصلاح لأمرهم - فلا تضيعن ما قلدك اللّه به من أمر هذه الأمة والرعية ، فإن القوة في العمل بإذن اللّه ، إن الرعاة مؤدون إلى ربهم وما يؤدى الراعي إلى ربه فأقم الحق فيما ولاك اللّه وقلدك ولو ساعة من نهار فإن أسعد الرعاة عند اللّه يوم القيامة راع سعدت به رعيته « 3 » . استمع الرشيد إلى هذه التوجيهات من قاضيه أبى يوسف ، ولما أتم كتابه « الخراج » أمر الرشيد كل عماله أن يضعوا توجيهات أبى يوسف موضع التنفيذ .
--> ( 1 ) جولد تسيهر ، المذاهب الإسلامية في تفسير القرآن ص 86 - ، 87 ( 2 ) المصدر السابق ص 99 - ، 100 ( 3 ) أبو يوسف : الخراج ص ، 2