سليمان الدخيل
134
كتاب الفوز بالمراد في تاريخ بغداد
وكان من أثر تشجيع الخلفاء العباسيين للفقه والفقهاء واعتمادهم عليهم ففي أمور الفقه ، أن وضع الفقهاء قواعد الفقه بدقة وعناية في الحياة العملية « 1 » واختلف الفقهاء في آراءهم الفقهية ، من هنا نشأت المذاهب الفقهية السنية ، وأخذ بعض الفقهاء بالرأي ، وأخذ آخرون بالمأثور ، ويمثل أبو حنيفة النعمان بن ثابت المذهب الأول ، فقد أخذ بالرأي بشكل كبير ، وكان داود يمثل المذهب الثاني ، وعارض الرأي بكل شدة ، وبين هذين الطرفين الشافعي وابن حنبل ، على أن الطبري لم يضع ابن حنبل في قائمة الفقهاء ، وإنما عده من المحدثين . ولم يكن أبو حنيفة أول من أخذ بالرأي . إنما سبقه علماء كثيرون في القرن الأول الهجري . على أن أبي حنيفة تطور بالأخذ بالرأي درجة لم تكن معروفة من قبل ، وهو أول من استعمل القياس في الفقه حتى لقد سمى الإمام الأعظم تقديرا لجهوده . ومما لا شك فيه أن أبا حنيفة قد استفاد من الفقهاء الذين سبقوه في الأخذ بالرأي وأضاف آراءه إلى آراء اسلافه ، وقد عارض بعض الفقهاء التفكير الحر الذي درج عليه أبو حنيفة في مذهبه « وقد حمل تلميذه أبو يوسف تعليمه ، وأدى اختلاف اثمة الفقه في فهم بعض النصوص الفقهية ، واستنباط الأحكام منها إلى تعدد المذاهب . ولد أبو حنفية النعمان بالكوفة سنة 80 ه وتوفى في بغداد سنة 150 ه وجده من أهل كابل ، وأدرك أربعة من الصحابة ، وكان عالما عابدا زاهدا ورعا تقيا كثير الخشوع دائم التصرع إلى اللّه سبحانه وتعالى ، وكان أبو حنيفة ممن وفق له الفقه ، فإذا سئل فيه تفتح وسال كالوادى . وقيل : من أراد أن يتبحر في الفقه فهو عيال على أبي حنيفة « 2 » . كان أبو حنيفة إماما في القياس ، ويحرص على الدقة في قبول الحديث ويتحرى عنه وعن رجاله ، فلا يروى الخبر عن الرسول صلى اللّه عليه وسلم إلا إذا رواه جماعة ثقات ، وأجمع الفقهاء على الأخذ به « 3 » .
--> ( 1 ) على حسن عبد القادر ، نظرة عامة في تاريخ الفقه الإسلامي ج 1 ص ، 43 ( 2 ) ابن خلكان ، وفيات الأعيان ج 5 ص ، 36 ( 3 ) ابن النديم ، الفهرست ص ، 285