سليمان الدخيل
125
كتاب الفوز بالمراد في تاريخ بغداد
علمائها أو الأستفادة منهم ، ومن ينبغ منهم يصنف المصنفات في مختلف التخصصات « 1 » . لم تكن في بغداد مدارس يتلقى فيها الطلاب تعليمهم ، وإنما كانت بها كتاتيب يثقف فيها الصبيان ثقافة عامة يحفظون فيها القرآن الكريم ويتعلمون الكتابة والحساب ، ويتقاضى المعلم أجرا على عمله « 2 » . والدراسة في الكتاتيب أشبه بالدراسة في المدارس الابتدائية في يومنا هذا ، أما الدراسة المتخصصة ، فكان مقرها المسجد وضمت المساجد حلقات يدرس فيها مختلف العلوم ، ويقوم بالتدريس فيها رجال العلم من المشايخ ، فهناك حلقة للفقه وحلقة التفسير ، وحلقة الحديث ، وحلقة لعلم الكلام ، وكان الطالب يتردد على الحلقة التي تتناسب مع ميوله للون معين من العلم ، وشيخ الحلقة يتقاضى أجرا نظير مهمته ، والدولة لا تتدخل في هذه الدراسة ، واقتصر إشرافها على عدم تعارض الدراسة وما يجرى فيها من مناقشات مع تعاليم الدين أو مع سياسة الدولة العامة ، وإذا كان المعلم ميسورا فإنه يؤدى مهمته بدون أجر ابتغاء مرضاة اللّه ، وكان أبو حنيفة النعمان يعمل بزازا وفي نفس الوقت يقوم بالتدريس ، والطلاب الذين يترددون على هذه الحلفات لا يستمرون فيها إلا إذا تأكد الشيخ من جديته وإقباله على الدراسة ، وذلك من خلال مناقشته له ، ولقد أظهرت هذه الحلقات مواهب كبيرة ، فنبغ من حلقة الإمام أبي حنيفة القاضي أبو يوسف ، ولم يكن الطالب يتفرغ للدراسة إنما يعمل ويدرس في نفس الوقت « 3 » . والشيخ يحدد المنهج الذي يدرسه لطلابه في المسجد إلا أن هذه الدراسات كانت تدور حول علوم الدين واللغة ، وكان القراء يجلس في المسجد ، والقارئ يقرأ وهو يفسر لطلابه « 4 » .
--> ( 1 ) ابن النديم : الفهرست ص ، 174 ( 2 ) أنتونى ناتنج : العرب ص ، 174 ( 3 ) Hitti : Hist . of the Arabs p . 363 . ( 4 ) ابن خلكان : وفيات الأعيان ج 5 ص ، 525