سليمان الدخيل
126
كتاب الفوز بالمراد في تاريخ بغداد
اهتم العلماء في مختلف أنحاء الدولة الإسلامية بالرحيل إلى المدن الكبرى للاتصال بالعلماء المشهورين للاستفادة من علمهم وفضلهم ، والسبب في ذلك « أن الناس يأخذون معارفهم تارة علما وتعليما وإلقاء ، وتارة محاكاة وتلقينا بالمباشرة ، فعلى قدر كثرة الشيوخ يكون حصول الملكات ورسوخها . . وهذا لمن يسر اللّه عليه طرق العلم والهداية فالرحلة لا بد منها في طلب العلم ، واكتساب الفوائد » « 1 » . وكان الخلفاء يشجعون أهل الذمة المثقفين على الرحيل إلى الدولة البيزنطية لقراءة كتب الحكمة وترجمتها « 2 » . أما الخلفاء والأمراء وكبار رجال الدولة فكانوا يستعينون بمعلمين لتعليم أبنائهم في قصورهم ، وقد حدد الرشيد لمؤدب ولده الأمين المنهج الذي يجب أن يعلمه وينشئ عليه ابنه الأمين ، فقال : أقرئه القرآن ، وعرفه الآثار ، ورواه الأشعار ، وعلمه السنن ، وبصره مواقع الكلام وبدنه ، وامتعه من الضحك إلا في وقته ، وخذه بتعظيم مشايخ بني هاشم ، إذا دخلوا عليه ، ورفع مجالس القواد إذا حضروا مجلسه ، ولا تمرن عليك ساعة إلا وأنت مغتنم فائدة تفيده إياها من غير أن تحزنه ، فتميت قلبه ولا تمعن في مسامحته فيستحلى الفراغ ، وعليك بالرفق به ، فإن لم يأت بالرفق فخذه بالغلظة « 3 » وكان الفراء - وهو من أعلم الكوفيين بالنحو واللغة وفنون الأدب - يؤدب ولدى المأمون ، وأجزل صلته على حسن تأديبه لهما « 4 » . انتشرت المجالس العلمية في بغداد التي تضم العلماء في الدور والقصور والمساجد ، ويتناظرون فيها في فروع العلم المختلفة ، وقد حرص الخلفاء على عقد
--> ( 1 ) مقدمة ابن خلدون ص ، 541 ( 2 ) ابن النديم : الفهرست ص ، 341 ( 3 ) المسعودي : مروج الذهب ج 2 ص ، 278 ( 4 ) ابن خلكان : وفيات الأعيان ج 5 ص ، 525