سليمان الدخيل
105
كتاب الفوز بالمراد في تاريخ بغداد
وأدى اهتمام رجال بغداد بالجواري إلى ظهور تنافس بين الحرائر والجواري ، فكانت أم موسى الحميرية - زوجة المنصور - اشترطت عليه ألا يتخذ سرية ، وكتبت عليه بذلك كتابا أكدت عليه فيه رغبتها هذه ، وأشهدت عليه الشهود والثقات المعتدلين . على أن الحجاب الذي فرض على المرأة الحرة في بغداد لم يمنعها من ممارسة النشاط في الحياة العامة ، فكانت ابنة الخليفة المهدى تسير راكبة بين يديه على هيئة الجند « 1 » . ومن أبرز سيدات بغداد في العصر الذي نكتب عنه الخيزران زوجة الخليفة المهدى وأم الهادي والرشيد ، فقد أتيحت لها الفرصة لإظهار موهبها وفرض إرادتها « 1 » . زاد نفوذ الخيزران في بغداد ، وتدخلت في أمور الدولة السياسية وشؤون الحكم ، وحرص المهدى على رفع مستواها الاجتماعي ، فأمرها بأن تلزم زينب بنت سليمان بن علي بن عبد اللّه بن العباس ، لتقتبس من آدابها ، وتأخذ من أخلاقها فهي على حد قول المهدى « عجوز لنا قد أدركت أوائلنا » « 2 » والواقع أنها كانت جليلة القدر مثقفة واسعة الاطلاع . وكان الهادي كثير الطاعة لأمه الخيزران مجيب لها فيما تسأل عن حوائج الناس ، ومواكب ذوى الحاجات لا تخلو من بابها . على أن تدخلها في شؤون الدولة واستبدادها بالأمر والنهى - كما كان حالها أيام المهدى أغضب الهادي ، فنهاها بقوله : « إنه ليس من قدر النساء الاعتراض في أمر الملك » وأمرها بألا تستمع لذوي الحاجات ، وألا تأذن لأحد برفع مطلبه إليها ، ونصحها بالتفرغ . للصلاة والتسبيح « 3 » .
--> ( 1 ) الطبري : تاريخ الأمم والملوك حوادث سنة 169 ه . John Glubb : The Empire of the Arabs . p . 265 . ( 2 ) المسعودي : مروج الذهب ج 2 ص 248 . ( 3 ) الطبري : تاريخ الأمم والملوك ، حوادث سنة 170 ه .