سليمان الدخيل

106

كتاب الفوز بالمراد في تاريخ بغداد

على أن الخيزران لم تستجب لمطلب ابنها الهادي ، فاستمرت في مزاولة نشاطها في الحياة العامة ، فلما اعتزم الهادي خلع أخيه هارون من ولاية العهد ومبايعة أبنه بدلا منه ، تصدت له الخيزران ، وانضم إليها يحيى بن خالد بن برمك في دحض محاولة الهادي « 1 » . ظل نفوذ الخيزران في عهد الرشيد على ما كان عليه في عهد أخيه الهادي وأبيه المهدى . فكان يحيى بن خالد بن برمك - وزير الرشيد - ويأخذ برأيها وتوفيت في عهد الرشيد ، وقدرت ثروتها يوم وفاتها بمائة ألف ألف وستين ألف ألف درهم ، ووجد في منزلها من ثياب الوشى 18 ألف « 2 » . ومن ذلك نرى أن الخليفة المهدى قد أتاح للمرأة فرصة إظهار مواهبها ، ولم يعزلها عن الحياة العامة ، ولا أدل على ذلك من أن أبنته عليه ذاعت شهرتها على اعتبار أنها من أرباب الفنون الرفيعة ، وزاد في شهرتها ولعها بالشعر والغناء والأدب ، وبلغت في الغناء درجة كبيرة من الاتقان ، بل وضعت ألحانا قيمه ، وكانت واسعة الاطلاع ، ومن أحسن النساء وأظرفهن ومما شجعها على الغناء إقبال أخيها إبراهيم بن المهدى وأخته وتوفيت سنة 210 ه . وبلغ من تفوقها الأدبي أنها كانت تراسل بالشعر « 3 » . واشتغال هذه السيدة بالغناء دليل على أن المرأة كانت تتاح لها الفرصة لإبراز مواهبها الأدبية والفنية . ومن أشهر نساء بغداد في العصر العباسي الأول السيدة زبيدة أم جعفر - زوجة الرشيد - ساهمت مع زوجها مساهمة كبيرة في إصلاح أحوال البلاد وتخفيف أعباء الحياة عن الأهلين ، ومن أفضالها أنها سقت أهل مكة المكرمة الماء ، بعد أن كانت القربة من الماء عندهم بدينار ، فأسالت الماء عشرة أميال من المرتفعات القريبة من مكة حتى نقلته من الحل إلى الحرام ، وكان لها بجوار الكعبة دار عرفت بأسمها ، وقامت بإصلاحات جليلة في المدينة المنورة ، ومهدت طريق الحج

--> ( 1 ) الأغانى ج 8 ص 234 . ( 2 ) المسعودي : مروج الذهب ج 2 ص 567 . ( 3 ) الأصفهاني : الأغانى ج 10 ص 162 .