سليمان الدخيل

100

كتاب الفوز بالمراد في تاريخ بغداد

في معظمها لهو وطرب ، وهؤلاء الكتاب اعتمدوا فيما كتبوه على كتب الأدب التي لا تخلو من مبالغة - كما - ذكرنا - ذلك أن الرشيد كان يغزو سنة ويحج سنة في الغالب ، ويقود الجيوش للقضاء على الفتن الداخلية وكان رجلا عمليا في حياته ، وأبعد ما يكون عن الأستهتار ، بدليل أنه لم يقبل أن يبقى مسلوب السلطة ، وأمور الدولة في أيدي البرامكة ، لذا تراه ينكل بهم ويسترد سلطانه ، ولو كان - كما صوره بعض الكتاب - لعكف على اللهو والطرق - تاركا أمور الدولة في أيدي البرامكة . ولم تكن حياة اللهو والطرب سوى جانبا من حياة الرشيد ، ولم تحل بينه وبين تأدية مهماته وأعبائه . على كل حال تطوع بعض الرجال في بغداد للقضاء على المفاسد ، فأمروا الناس بالمعروف ، ونهوهم عن المنكر ، فسالم بن سالم البلخي لم يخش في دعوته أحد ، حتى أنه أنكر على الرشيد وشنع عليه ، فحبسه وقيده « 1 » كذلك نقم أسد ابن يزيد على الأمين لعبه وتهاونه في أمر الرعية ، وارتكابه للصيد وغيره في هذا الوقت « 2 » . * * * وينبغي أن نشير هنا إلى أن المنصور - مؤسس الدولة العباسية لم يهتم بمجالس اللهو والطرب لأن شغله الشاغل انحصر في توطيد الأمن والنظام في ربوع دولته ، فكان في أول النهار يتصدى للأمر بالمعروف والنهى عن المنكر والولايات والعزل والنظر في مصالح العامة ، فإذا صلى الظهر دخل منزله واستراح إلى العصر ، فإذا صلاه جلس لأهل بيته ، ونظر في مصالحهم الخاصة ، فإذا صلى العشاء نظر في الكتب والرسائل الواردة من الآفاق ، وجلس عنده من يسامره إلى ثلث الليل ، ثم يقوم إلى أهله فينام في فراشه إلى الثلث الأخير ، ليقوم في

--> ( 1 ) ابن كثير : البداية والنهاية ج 1 ص 156 . ( 2 ) المصدر السابق ج 10 ص 235 .