محمد بن أحمد النهرواني
375
كتاب الإعلام بأعلام بيت الله الحرام
وحمل من الجهات الثلاث من العسكر والأمراء والرجال ، ودخلوا القلعة وفتحوها عنوة بالسيف والقتل ، لست مضين من جمادى الأول سنة 981 ه . ووضعوا السيف فيمن وجد بها من الكفار الفجار ، وساقوهم بالنار إلى عذاب جهنم ، وبئس القرار ، وغنموا ما وجدوا بها من آلات الحرب ، والذخائر وغير ذلك ، واستؤسر صاحب القلعة كبير النصاى المخذولين ، وكذلك أسر سلطان تونس أحمد الحفصى وحبسهما وقيدهما حضرة الوزير ، وأمر بقتل سائر من وجد من النصارى ، والعرب المرتدين ، وفرح بفتح هذاي الحصن الحصين كافة أهل الإسلام والمؤمنين ، واستبشروا بهذا الفتح ، والنصر المبين ، فإنه يعد من أجل فتوحات الإسلام ، وأعظم التأييدات لدين محمد عليه أفضل الصلاة والسلام . وكانت هذه القلعة من أعظم القلاع التي استحكمتها النصارى اللئام ، وأقواها في المكنة والاستحكام . ومن جملة الاستحكام : أن هذه القلعة المنكوسة ، بنتها النصارى المخذولين في سنة 931 ه ، وأكملوا استحكامها في ثلاث وأربعين سنة ، فافتتحها الوزير المعظم في ثلاثة وأربعين يوما من أيام محاصرتها ، بعدد السنين عن أيام محارتها بعدد السنين التي أحكم فيها بناؤها كل يوم بسنة . ولما تم الفتح المبارك رأى حضرة الوزير ترسمها وعمارتها وحفظها بالعساكر وآلات الحرب ، يحتاج إلى مؤنة كثيرة ، وخزائن من الأموال كثيرة مع قلة جداها ؛ لبعدها عن الباب العالي ، وطول مداها ، فرأى أن الأولى هدمها وتخريبها ؛ حتى لا تصير للنصارى المخذولين سكنا ، ولا مأوى يتحصنون فيه ؛ فأمر بهدمها ؛ فهدموها حجرا حجرا ، وتركوها خيرا لا أثرا ، وعملت المعاول في رأسها إلى أن وصلوا إلى أساسها . فصارت طللا من الأطلال ، ودمنة يلعب فيها هبوب الصبا والشمال ، ولا يسمع فيها نداء وصدى الأصياح يوما ، ولم يبق بها أنيس إلا اليعادفير والألعيس .