محمد بن أحمد النهرواني

340

كتاب الإعلام بأعلام بيت الله الحرام

تعالى ) في عام سنة 916 ه ، على يد الأمير خير باك العمار ( رحمه اللّه تعالى ) إلى أن جرت وملأت به في البرك في المعلاة ، ثم جرت إلى بازان ، ثم إلى بركة ما جره في درب اليمن من أسفل مكة ، وارتق الناس بذلك . ثم انقطعت من أوائل الدولة العثمانية بهذه أقطار الحجازية ، وبطلت العيون لقلة الأمطار ، وتهدمت قنواتها ، وانقطعت عين حنين عن مكة المشرفة ؛ فصار أهل البلاد يستقون من آبار حول مكة ، من آبار يقال لها العيلات في علو مكة ، قريب من المنحنى ، ومن آبار في أسفل مكة يقال لها الزاهر ، وتسمن الآن بالجوخى في طريق التنعيم ، وكان الماء غاليا قليل الوصول ، وكذلك انقطعت عيون عرفات ، وتهدمت من قنواتها ، وكان الحجاج يحملون من الماء إلى عرفات ، من الأمكنة البعيدة ، وصار فقراء الحجاج في يوم عرفة لا يطلبون شيئا غير الماء لعزته ، ولا يطلبون الزاد ، وربما جلبه بعض الأقوياء من الأمكنة البعيدة للبيع ؛ فيحصلون أموالا في ذلك لغلو ثمنه . وإني أذكر أنه في سنة قل الماء في الآبار البعيدة أيضا ؛ فارتفع سعر الماء جدا في يوم عرفة ، وكنت يومئذ مراهقا في خدمة والدي ( رحمه اللّه ) وفرغ الماء الذي كنا حملناه من مكة إلى عرفات ، وعطش أهلنا ؛ فطلبت قليلا من الماء للشرب ، فاشتريت قربة ماء صغيرة جدا ، يحملها الإنسان بأصبعه بدينار ذهب ، والفقراء يصيحون من العطش يطلبون من الماء ما يبل حلوقهم في ذلك اليوم الشريف ، فشرب أهلنا بعض تلك القربة ، وتصدقوا بباقيه على الفقراء ، وعطشت عقيبه ، وجاء بعد الوقوف ، والناس عطاشى مهلوفون ؛ فأمطرت السماء ، وسالت السيول من فضل اللّه تعالى ، ورحمه اللّه ، والناس واقفون تحت جبل الرحمة ، فصاروا يشربون من السيل من تحت أرجلهم ، ويسقون دوابهم ، وحصل البكاء والضجيج الكثير من الحجاج في وقت الوقوف ، لما رأوا من رحمة اللّه تعالى ولطفه بهم ، وإحسانه إليهم ، وتكرمه عليهم ، ولا أزال أتذكر به من رحمة اللّه الكريم ، وأتيقن نه هو الغفور الرحيم الذي ينزل على عباده الرحمة من بعد ما قنطوا .