محمد بن أحمد النهرواني
315
كتاب الإعلام بأعلام بيت الله الحرام
تواريخ الأمم ، إن شاء اللّه تعالى ، [ الغزوة الأولى ] فأقول : « أوّل غزواته لمّا ولى السلطانة غزوة أنكروس ، برز إليها من القسطنطينية العظمى لإحدى عشر ليلة خلت من جمادى الآخر سنة 927 ه ، بعسكر جرار ، وجيش كرار عظيم المقدار ، يدك الأرض دكا ، ويصك الجبال الراسيات صكا ، فلمّا وصلوا إلى ديار الكفار جاسوا خلالها ، ونازلوا أبطالها ، وقتلوا رجالها ، وسبوا أطفالها ، ونهبوا متاعها وأموالها ، وفتحوا حصونها وقلاعها ، وملكوا الأرض وبقاعها ، ومن أعظم ما افتتح من البلاد قلعة بلغراط ، وهن قلعة محكمة منيعة باقية إلى الآن بيد المسلمين ، وأسدوا الأسارت الأسيرة . وعاد السلطان إلى دار مملكته سالما غانما منصورا ، مؤيد بنصر اللّه تعالى ، ظافرا مسرورا ، وزينت البلاد لانتصاره وفرح المسلمون ، وكان اللّه من أنصاره وذلك أول فتوحاته وغدة أسفاره وغزواته ، وكانت عوده إلى سرير ملكه في شهر ذي القعدة الحرام سنة 927 ه . وفي هذا العام عصى جان بردى الغزالي الجركسى أمير الأمراء بالشام ، وجمع طائفة من عصاة العرب ، وبعض أشقياء الجراكسة وادّعى السلطنة ، وخطب لنفسه ؛ فجهز عليه فرهاد باشا وقاتله فيما تقرب الصالحية ومسكه وقطع رأسه ، وأرسل بها إلى الباب العالي ، وكفى اللّه أمره ودرأ عن المسلمين فتنته وشده ، وذلك لسبع مضين من شهر صفر الخير سنة 939 ه . واللّه سبحانه وتعالى أعلم بذلك . الغزوة الثانية : وهي غزوة رودس وهي جزيرة في وسط البحر ما بين أسطنبول ومصر ، وبنى بها الكفار حصنا حصينا وحصارا في غاية الاستحكام مكينا ، اتخذه الكفار مكمنا لأخذ المسلمين ، وأتقنوه غاية الإتقان والتمكين ، بحيث رسخ أساسه إلى تخوم الأرضين ، وارتفع رأسه جوم السرطين والبطين ، ينظرون من أعلى القلعة السفائن التي تمر في البحر من مسافة بعيدة ؛ فيتهيئون للتحصين ، إن كان ذلك عسكرا من المسلمين ، ويأخذونهم إن كانوا من سفار البحر ، واتخذته النصارى معبدا يجهزون أموالهم إليه في استحكام بنائه وإتقانه ، وجعلوه من أعلاه إلى أسفله في جميع جوانبه ثقوبا ، وضعوا